النزوع إلى اللحظات البكر من أعمارنا، لا يعني أن الوقت الماضي كان أفضل في ذاته من حيث هو، ولكنه يعني أنّه لم يوفّر لنا ما يكفي بعد للشعور بالخيبة، فإمّا أنّنا لم نكوّن بعد تصوارتنا عن أنفسنا والعالم بما تنوء به ظهورنا بعد اختبار حمله في الحياة، وإمّا أنّنا ما زلنا بعد نخطو خطواتنا الأولى على طريق ذلك الاختبار، فهو، إذن، حنين لزمن شخصيّ صرف، لا لزمن عامّ يتسع بالجمال للجميع.

الاستطراب المحزون، الفائض بالتوق اليائس إلى زمن ماضٍ، لا ينزع إلى الحارة الضيقة، والقناة التلفزيونية الوحيدة التي يمنح موعد بدء بثّها المتأخر الأطفال؛ إحساساً عارماً بطول الوقت، والرفقة الطفولية الخالية من الضغائن الكبيرة، والجمع الأليف الملتف في غرفة واحدة على فرش أرضية حول مدفأة، بقدر ما ينزع إلى النفس الخالية، في تلك الحارة أو مع تلك الرفقة، من فهم النفس والعالم وإدراك صعوبة العيش في هذه الحياة.

لا يعني ذلك أنّ هذا الزمن الراهن يخلو من التعقيد المستثير للاشتياق الغامض لماضي العمر الساذج، ولكنّه بتعقيده يتيح، لهؤلاء المشتاقين، استعادة صور من الماضي، كتشبّعهم متى شاؤوا بمسلسلاتهم القديمة،التي تنطبع لأوّل الأمر نداء بالحميمية تصوغه الكاميرات البدائية داخل الأستوديوهات، فالدراما التلفزيونية لم تكن تعرف بعد تقنيات التصوير الخارجي، بيد أنّ من يمتلك حساباً على واحدة من المنصّات التي تكشف الفجوة الهائلة بين شاشتين وكاميرتين، سرعان ما يخرج من سكرة الحميمية الزائفة ليعود إلى واقعه، فيبدو له أن ما صُوِّر قبل عام بات قديماً جدّاً، بالرغم من انعدام الإحساس بمرور الزمن. وهذه واحدة من أقسى تعقيدات الزمن الجاري، الذي يُطحن "ابن الزمنين" فيه، بلا رحمة، في مطحنة الارتباك، وتحطّم فيه القدرة على امتلاك فكرة صلبة، أو إحساس مستقرّ.

وبالرغم مما يبدو من حضور عميق لتعقيد الزمن الجاري، في مسألة الحنين، إلا أنّها شخصية، لدرجة تتجاوز فيها الأزمنة. وما أكثر عبارات رثاء الأزمنة الماضية وأهلها، والمنتشرة في كتب التراجم والطبقات، حتّى على ألسنة أهل خير القرون. ومن أشهر ما ذُكِر في ذلك تمثل أمّ المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بقول لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم   وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ثم قولها: رحم الله لبيداً كيف لو أدرك زماننا هذا؟ فعلّق عروة: رحم الله عائشة، كيف لو أدركت زماننا هذا؟ فعلق الزهري: رحم الله عروة، كيف لو أدرك زماننا هذا؟ غير أنّ لهذه القصة خصوصية، ففقدُ النبي، صلّى الله عليه وسلم، مصيبة، والابتعاد عن زمنه حقيق بالحزن، كما في الحديث: "يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي".

إنّنا لا نملك من العمر ما يكفي للبناء على الوعي الناضج ببطء، والمتبلور من صفعات الحياة، والمنحوت بأسنان الخيبات، وبما يتجاوز تلك الخيبات. فما أن يلج المرء الأربعين حتى يتنبّه إلى أنّ ما بقي من عمره أقلّ مما مضى، ولو زاد، فهو مرزوء بالندوب العميقة، والأحمال الثقال، والعافية المتهالكة، والأكثر إيلاماً، مصابه بجهله المزمن، واكتشافه المستمرّ المصاحب لحياته، لذلك الجهل، فالإنسان أعقد من أن تحيط به معرفة عمر كامل، فتصير خيبة المرء في نفسه.

أمّا الذين يملكون وعياً مبكّراً بأنفسهم والعالم، وتصهرهم التجربة، بما يختصر ذلك العمر الكامل، فهم، وللمفارقة، ليسوا أقلّ خيبة تحملهم إلى أزمنتهم البكر، ليس فقط لأنّ الجهل المزمن لا ينفكّ عنهم، وخيباتهم ستبقى تحدّق بهم في قابل أيامهم، ولكن، لأنّ التجربة الفائضة على الزمن الضيق، لها ثمنها الفادح، وهي الحرمان من العيش الساذج في الزمن البكر، والاستهلاك المستعجل لطاقات الإنسان، حتى إذا أدرك أنّ الحصيلة الشخصية أقلّ من ذلك الثمن، تمثّل ببيت الشريف الرضي:

وإنّي على شغفي بِالوقار    أحـنُّ إلى خَطَرات الصبا

إنّها معضلة العمر القصير، فإمّا أن يخسر المرء نصفه الأول، بوعيه المبكر، دون أن يكسب نصفه الثاني، وإمّا أن يخسر نصفه الثاني، بصدمته المتأخرة بسذاجته، دون أن يكسب الأوّل. فعمر الفرد القصير لا يكفي لاستهلاكه في التجربة ثم في الاستفادة من التجربة، فما الذي يجبر هذا القصور المروّع؟

يظهر العِوض في الانتساب للمجموع الإنساني، حيث يكمل الإنسان أخاه الإنسان، والانتساب لقافلة ضخمة تمخر في الزمان والمكان، فيجتمع للمرء فيها آلاف الأعمار. فالفرد أمّة، بانتسابه لمشروع واحد متجاوز للتاريخ والجغرافيا، كما لخّص القرآن قصص الأنبياء في قوله تعالى: "إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَأَنا رَبُّكُم فَاعبُدونِ"، والشرط هنا الانتساب بالرضا والتسليم، حتّى لا يتحوّل المجموع إلى فتنة عظيمة، من المقارنات المحطّمة لما تبقى من تماسك نفسي، وصراعات تافهة إذا تعلّقت بالطموحات الشخصية.

twitter.com/sariorabi

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"