بكثير من المرارة والحسرة والغيظ.. ألمح رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد اليوم الإثنين 11 أكتوبر 2021 لاحتمال عدم تنظيم القمّة الفرنكفونيّة في تونس.. والتي كان مبرمجا تنظيمها بجزيرة جربة يومي 20 و21 نوفمبر المقبل..


القمّة سبق برمجة تنظيمها بتونس منذ عهد الباجي قايد السبسي..
وحدّد موعدها لاحقا في شهر ديسمبر من سنة 2020 .. وتمّ تأجيلها بفعل جائحة كورونا..
ووجد فيها الرئيس قيس سعيّد فرصة لإشعاع دولي.. حيث تضمّ المنظّمة الجامعة للدول الناطقة باللّغة الفرنسيّة.. والتي تعدّ فرنسا قاطرتها.. حوالي 80 دولة منها 57 دولة عضوا من الناطقين بالفرنسيّة و23 دولة بصفة ملاحظ..
-
الرئيس سعيّد ألقى باللّائمة اليوم على احتمال إلغاء القمّة بتونس عبر تأجيلها أو تغيير مكانها على أطراف سياسيّة معارضة له.. ومناهضة لإجراءاته.. وخصّ بالذكر شخصا مجهولا لم يسمّه.. قال أنّه اتّصل بخمسين دولة لإثنائها عن تنظيم القمّة بتونس.. وطبعا اعتبر ذلك أمرا غير وطنيّ.. وتحدّث عن كون التحضيرات للقمّة وقع الإنفاق عليها من أموال الشعب التونسي.. بما يعني أنّ تلك الأموال ستذهب هباء بفعل المغرضين الذين أضاعوا "أموال الشعب" لكونهم أفشلوا عقد القمّة بتونس في آخر وقت..!!
-
الحقيقة أنّه يبدو غريبا أن تمتلك شخصيّة سياسيّة تونسيّة ليست في السلطة اليوم نفوذا بالغا إلى درجة التأثير في خمسين دولة كاملة في العالم.. ويكون دور ذلك الشخص مؤثّرا وحاسما في تأجيل قمّة دوليّة كبرى تضمّ 80 دولة بطمّ طميمها.. ومن أبرز أعضائها فرنسا وكندا وبلجيكا..!!
لكنّ الأرجح بأنّ قيس سعيّد يغالط ويناور كعادته بطريقته الشعبويّة لإلقاء اللّوم على أطراف أخرى في ما يتحمّل بمفرده مسؤوليّته..


فمشاكل تنظيم القمّة الفرنكفونيّة في تونس تقوم أساسا على سببين إثنين.. أحدهما قديم يعود لما قبل 25 جويلية 2021.. والآخر حديث يعود لما بعده..
-
السبب الأوّل هو تقصير بالغ في التنظيم المتعلّق بالقمّة والتحضير لها..
من المعلوم بأنّ قيس سعيّد هو الذي اختار جزيرة جربة لتنظيم القمّة الفرنكفونيّة.. رغم افتقارها للبنية التحتيّة لعقد ملتقى دولي رفيع ومكثّف على مستوى القمّة.. قد يضمّ رؤساء وقادة وممثّلي ما يقارب الثمانين دولة كاملة.. وهو أمر يحتاج إلى بنية تحتيّة متطوّرة ومرافق في مستوى معيّن لا تتوفّر بجزيرة جربة.. التي لا تضمّ مثلا قاعة كبرى للمؤتمرات الدوليّة..


وقد جعل ذلك تونس مطالبة ببذل جهود خرافيّة لتجهيز الجزيرة للحدث الكبير.. وأحيانا تحضير كلّ شيء إنطلاقا من الصفر.. وكان يمكن لتنظيم القمّة بالعاصمة أن يوفّر الكثير من التحضيرات والنفقات والتكاليف والجهد والوقت..


مشاكل التحضيرات للقمّة الفرنكفونيّة كانت إحدى أبرز نقط خلاف رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد مع رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي.. إذ كان الرئيس يعتبر أنّ حكومة المشيشي متراخية ولا تبذل الجهد اللاّزم.. وسبق له أن انتقد ذلك علنا في عدّة تصريحات إعلاميّة.. وربّما أخذ الأمر كمؤامرة ضدّه لإحراجه وإفشاله..


في حين كان المشيشي ربّما يعتبر التقصير صادرا عن رئاسة الجمهوريّة نفسها.. ذلك أنّ الإشراف على تنظيم القمّة وتحضيراتها أُوكل رسميّا وفعلا إلى قصر قرطاج وطاقم الرئيس..  
وتمّ الإنفاق على القمّة ماليّا عبر موردين إثنين:
المصدر الأوّل هو خزينة الدولة التونسيّة.. منها ما يصرف مباشرة من ميزانيّة الحكومة عبر بعض الوزارات المتداخلة في التحضيرات.. ومنها ما وقع تخصيص ميزانيّة رئاسة الجمهوريّة به من اعتمادات ماليّة إضافيّة في سنة 2021 بملايين الدينارات على ذمّة القمّة الفرنكفونيّة..
والمصدر الثاني قد يكون تمويلا من المنظّمة نفسها..

الحقيقة أنّ تقارير إعلاميّة وعدّة مقالات صحفيّة نُشرت منذ أشهر بيّنت أنّ هناك تأخيرا كبيرا في التحضيرات اللوجستيّة في تونس للقمّة الفرنكفونيّة.. وأنّ ذلك قد يدفع أمّا لتأخيرها أو لتغيير مكانها إلى بلد آخر يكون جاهزا..


وبالتالي فإنّ المشاكل قديمة.. وهي تتعلّق بأسباب ذاتيّة وموضوعيّة وماديّة تخصّ رئاسة الجمهوريّة نفسها أساسا باعتبارها الجهة المنظّمة.. ولا دخل لأطراف سياسيّة أخرى مناهضة للرئيس فيها.
وفي آخر زيارة للأمينة العامّة للمنظّمة الدوليّة للفرنكفونيّة "لويز موشيكيوابو" إلى تونس ومقابلتها رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد بتاريخ يوم السبت 09 أكتوبر 2021.. تضمّن بيان رئاسة الجمهوريّة المنشور رسميّا على صفحة الرئاسة على الفايسبوك بأنّ الرئيس سعيّد "استعرض ما تمّ بذله من جهود دؤوبة في الغرض والتقدّم الحاصل في التحضيرات الحثيثة الجارية على كافة المستويات حتّى تكون بلادنا جاهزة في الموعد لاحتضان الحدث الإقليمي الهامّ".. كما جاء حرفيّا بنصّ البيان..


وإنّ القارئ لذلك العرض.. يستنتج ببساطة أنّ هناك مشاكل وتأخيرا في التحضيرات لكونه توجد محاولة من الرئيس سعيّد لإقناع رئيسة المنظّمة بأنّ التحضيرات حثيثة لتدارك ذلك.. ناهيك وأنّنا على مسافة شهر واحد تقريبا من موعد القمّة.. وكان يفترض أنّ التحضيرات اكتملت.. ولا شيء والحالة تلك يؤكّد إمكانيّة اكتمالها لاحقا في الموعد المحدّد القريب..


أمّا السبب الثاني فهو يعود إلى ما بعد 25 جويلية.. وهو إعلان رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد تفعيل الفصل 80 من الدستور.. وتجميده مجلس نواب الشعب وحلّه الحكومة.. واتّخاذه تدابير استثنائيّة.. تعمّقت بالتدابير التي أعلن عليها بمرسومه عدد 117 بتاريخ 22 سبتمبر 2021.. والتي استولى فيها على جميع السلطات وألغى عمليّا الدستور.. ونصّب نفسه حاكما وحيدا على البلاد فوق الدستور والقانون بعد أن أعطى لنفسه بنفسه سلطة التشريع وإصدار القوانين عبر مراسيم رئاسيّة شخصيّة جعلها أيضا غير قابلة للإلغاء أو خاضعة للرقابة القضائيّة..


لا شكّ أنّ ذلك حوّل تونس في عيون جميع الدول الديمقراطيّة في العالم إلى دولة منحرفة عن المسار الديمقراطي.. لذلك دعت جلّ الدول الكبرى والديمقراطيّة قيس سعيّد إلى العودة إلى الدستور والمؤسّسات ودولة القانون ومن بينها دول الاتحاد الأوروبّي ومجموعة دول السبعة..


وخلافا للسياسة الواقعيّة والخفيّة والكواليس و"الغرف المظلمة" للكثير من الدول والأنظمة السياسيّة المشاركة في القمّة الفرنكفونيّة ومن بينها فرنسا.. والتي قد تغضّ الطرف عن الحكم الفردي أو الإنقلابات إن توافقت مع مصالحها العليا.. فإنّ الخطاب الرسمي والعلني للمنظّمة الفرنكفونيّة وأغلب الدول الناشطة فيها يحثّ على نشر الديمقراطيّة بين الدول الأعضاء.. وعلى تشجيع فرض أنظمة تقوم على تعدّد السلط والفصل بينها وعلى دعم المجالس التشريعيّة ورفض الحكم الشمولي والفردي.. واحترام الحريّات وحقوق الإنسان واستقلاليّة القضاء..


لذلك فإنّ الإنقلاب على الدستور الحاصل بتونس منذ 25 جويلية.. واستيلاء قيس سعيّد على كامل السلط.. وإلغاء الدستور وإغلاق البرلمان بمدرّعات وقوّات عسكريّة وأمنيّة.. جعل تونس في نظر أغلب أعضاء منظّمة الفرنكفونيّة "دولة غير ديمقراطيّة" حاليّا على الأقلّ.. بما جعل حضور قادة دول أجنبيّة ديمقراطيّة لتونس سيكون محرجا لهم أمام الرأي العام الداخلي في بلدانهم.. وأمام وسائل الإعلام الداخليّة والدوليّة.. وسيظهرهم كمن يشجّع دولة ديمقراطيّة ناشئة على الرجوع إلى نظام الحكم الفردي.. ويساند رئيسها قيس سعيّد الذي قام بذلك واستولى لنفسه على كلّ السلطات خارج الدستور بالحضور ضيوفا عليه في ظلّ ذلك النظام الشمولي الجديد..

الحقيقة أنّه يصعب على قادة دول مثل كندا وبلجيكا القيام بذلك فعلا الآن.. إضافة إلى دول ديمقراطيّة إفريقيّة صاعدة أصبحت تنبذ الاستبداد والإنقلابات.. وترى في التعامل مع الدول التي تنتهجه خطرا على أنظمتها واستقرارها..


حتّى الرئيس الفرنسي الذي يدعم سرّا إنقلاب قيس سعيّد على الدستور وتدابيره الإستثنائيّة.. سيجد صعوبة وهو على أبواب انتخابات رئاسيّة جديد خلال ثمانية أشهر بأن يظهر دعما مكشوفا للرئيس التونسي الذي أصبحت كبرى الصحف الفرنسيّة العريقة ووسائل الإعلام ببلاده تنتقده وتعتبره يؤسّس لديكتاتوريّة جديدة بتونس.. وتصف ما قام به بانقلاب كامل الأوصاف..

يوم أمس الأحد 10 أكتوبر 2021.. وبالتزامن مع الوقفة الاحتجاجيّة الشعبيّة المناهضة للرئيس قيس سعيّد بتونس العاصمة.. نشرت صحيفة "لوموند" الفرنسية في نسختها الورقية مقالا تحت عنوان "حول تراجع الحقوق في تونس.. يجب على المجتمع الدولي ألاّ يواصل غضّ النظر"..


وقد حمل تواقيع مجموعة من الحقوقيّين ورجال القانون والمفكّرين والإعلاميّين والناشطين والشخصيّات العامّة من فرنسا وسويسرا وتونس والمغرب والجزائر ولبنان.. دعوا فيه المجتمع الدولي لـ"التحرّك إزاء ما يحصل في تونس".. وشرحوا ما قام به قيس سعيّد من إجراءات وقمع للحريّات والإعلام والرأي وخرق للقانون واعتماد المحاكمات العسكريّة للمدنيّين ومنع التنقّل والسفر.. وذلك بطريقة مفصّلة.. واعتبروا أنّه إنقلاب.. وأنّه إنتكاسة للديمقراطيّة والحريّة في تونس.. وأنّه يجب المساعدة على وقف سقوط تونس في الحكم الاستبدادي والشمولي من جديد..


قبلها بيوم واحد.. وعشيّة زيارة الأمينة العامّة الحاليّة للمنظّمة الدوليّة للفرنكفونيّة "لويز موشيكيوابو" إلى تونس ومقابلتها رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. كتب الأمين العام الشرفي لمنظمة الفرنكفونية "جان لويس روي" مقال رأي بصحيفة "لودوفوار" الكنديّة.. قال فيه أنّ هناك جائحة أخرى غير الكورونا أصابت تونس في الأشهر الثلاثة الماضية يهاجم فيها الفيروس قيم الديمقراطيّة وسيادة القانون والفصل بين السلطات وحقوق الإنسان.. حسب تعبيره.


وقال الأمين العام الشرفي لمنظمة الفرنكفونية بأنّ وفود كندا والدول الأخرى في القمّة تدرك بأنّه سيتمّ خلالها الاحتفاء بحريّة الإنسان والقيم الديمقراطيّة وسيادة القانون وحقوق الإنسان.. وأنّه سيتمّ إتّخاذ قرارات أخرى تدين مغتصبي السلطة خاصّة في مالي وغينيا والمذنبين بإسقاط الحكومات المنتخبة كما فعل مضيّفهم الرئيس التونسي.. طبق ما كتبه بمقاله.
ودعا "جان لويس روي" صراحة وتبعا لذلك إلى تأجيل القمّة وعدم عقدها بشهر نوفمبر في تونس.

منذ أسابيع وفي منتصف شهر سبتمبر المنقضي.. صدر تقرير لمجلّة "أفريك أنتيليجانس" أكّد أنّه وقبل أقلّ من شهرين من موعد القمّة الفرنكفونيّة بجربة فإنّ أغلب قادة الدول الأعضاء امتنعوا عن تأكيد حضورهم بقمّة جربة لرئاسة الجمهوريّة التونسيّة.. وأضاف التقرير بأنّ ما يدور في الكواليس هو إلغاء القمّة بتونس وتحويلها إلى مدينة أخرى قد تكون باريس.. وأنّ السبب الرئيسي في ذلك هو إنقلاب الرئيس التونسي قيس سعيّد على الدستور..

اليوم.. وبمناسبة خطابه إثر تنصيب حكومته الجديدة وأداءها اليمين أمامه.. استغلّ قيس سعيّد الفرصة ليستبق خيبة الأمل والفشل الذي قد يلحق به مستقبلا بإمكانيّة الإعلان رسميّا عن إلغاء القمّة الدوليّة الكبرى للفرنكفونيّة بتونس.. وربط ذلك بإجراءاته المناهضة للديمقراطيّة بما قد يشكّل فضيحة عالميّة لنظامه الجديد.. فيحاول بأن يرمي بالمسؤوليّة على المتآمرين والمغرضين.. ومنهم الرجل الخارق الذي لم يقم بتسميته.. وسعى حسب زعمه لتوتير علاقته بفرنسا كما اشتكى.. وتدخّل لدى خمسين دولة أجنبية دفعة واحدة لإقناعها بالغاء القمّة في تونس.. وهو أمر قد يعجز عنه وزير خارجيّته نفسه..

لذا فإنّ الرئيس قيس سعيّد يزعم ما لا وجود له.. ليبرّر ما هو موجود فعلا وبسببه هو نفسه ووحده لا غير..!!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"