تتهاوى فكرة الدولة الوطنية الحديثة في بلاد العرب وتفقد منظومات حكمها وسلطتها شرعية القبول الشعبي بفعل غياب مواطنة الحقوق المتساوية التي تحظر التمييز بين المواطنات والمواطنين دستوريا وتجرمه قانونيا وتحاربه واقعيا.


تتهاوى فكرة الدولة الوطنية الحديثة في بلادنا وتفقد منظومات حكمها وسلطتها شرعية قبول الشعبي بسبب غياب الالتزام بقواعد تكافؤ الفرص بين الناس ويطاح عملا بمعايير الكفاءة والمنافسة النزيهة في شغل الوظائف العامة والخاصة. تحتفظ «القلة» بامتيازاتها المادية والمعنوية المتوارثة، إن داخل طبقات مجتمعية مغلقة أو في سياقات نخب ومؤسسات وأجهزة تزاوج بين السلطة والثروة، ويحال من ثم فعليا بين «الكثرة» وبين الارتقاء الاقتصادي والاجتماعي والمهني وتحسين الظروف المعيشية وتحقيق الذات.


تتهاوى فكرة الدولة الوطنية الحديثة التي نهضت عربيا في القرنين التاسع عشر والعشرين وتفقد منظومات حكمها وسلطتها شرعية القبول الشعبي حين تتجاهل مؤسسات الدولة والأجهزة العامة واجب الحياد والعدالة تجاه كافة المواطنات والمواطنين على تمايزاتهم في النوع والدين والعرق وأساليب إدارتهم للحياة الخاصة وقناعاتهم السياسية ومهاراتهم وخبراتهم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية المحيطة بهم. تتهاوى الدولة الوطنية الحديثة حين تمتنع مؤسساتها وأجهزتها في قراراتها وممارساتها عن الالتزام الجاد بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص وأولوية الكفاءة والمنافسة النزيهة المنصوص عليها دوما دستوريا وقانونيا وتباعد بينها وبين أن تصبح واقعا معاشا للقلة وللكثرة دون تمييز. وحين يتماهى بعض الفاعلين في القطاع الخاص وأصحاب الأعمال وأصحاب الاستثمارات غير الحكومية مع سلوك المؤسسات والأجهزة العامة ويضربون أيضا بواجب الحياد عرض الحائط، تذهب قناعة المواطنات والمواطنين بإمكانية أن تصون الدولة حقوقهم وحرياتهم.


تتهاوى فكرة الدولة الوطنية الحديثة في الجمهوريات والممالك العربية وتفقد منظومات حكمها وسلطتها شرعية القبول الشعبي حين تتحول المؤسسات والأجهزة العامة إلى كيانات شبه قبلية (بل ربما كاملة الهوية القبلية) تتوارث أو تتناقل بها المناصب (وهي مصدر السلطة والثروة) وفقا لآليات وإجراءات مغلقة تستبعد قطاعات المواطنات والمواطنين والطبقات المجتمعية غير الممثلة (أو غير الممثلة بقوة) داخلها. تتهاوى الدولة الوطنية أيضا حين تغلب الطائفية والزبونية على المؤسسات والأجهزة العامة، ومن ثم يقتصر الحضور في المؤسسات والأجهزة العامة على أجيال متعاقبة من طوائف بعينها أو شرائح وفئات بعينها (أساتذة الجامعات وأبنائهم، الضباط وأبنائهم، القضاة وأبنائهم، السفراء وأبنائهم، موظفي العموم في الجهاز الإداري وأبنائهم). عندها تصير الدولة آلة جهنمية للحفاظ على امتيازات القلة ولممارسة الاستعلاء على «الكثرة المستبعدة» بمقولات ينتجها إما منتمون للحكم والسلطة وللنخب والطوائف والشبكات المسيطرة أو حلفاء لهم تربطهم بهم ثنائيات المصالح والعوائد. عتدها تنتج مقولات لتهميش الكثرة المجتمعية تنضح بعنصرية فجة تجرد المستبعدين من كل قيمة أخلاقية وإنسانية، بل وقد تجد تلك المقولات العنصرية والحقائق التمييزية المفزعة التي ترتبها طريقها إلى القرارات الرسمية والسياسات الحكومية والأحكام القضائية.


تتهاوى فكرة الدولة الوطنية الحديثة عربيا وتفقد منظومات حكمها وسلطتها شرعية القبول الشعبي حين يتبع بعض الفاعلين في القطاع الخاص وأصحاب الأعمال وأصحاب الاستثمارات غير الحكومية ذات النهج التمييزي، ويصنعون مستغلين لغياب سيادة القانون وعبر العصف بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والكفاءة والمنافسة النزيهة من «السوق» مساحة للتمييز الإضافي ضد «الكثرة المستبعدة». هؤلاء يشتركون من ثم في الخطيئة الكبرى المتمثلة في الحيلولة بين أبناء الكثرة (أو الغلابة كما نقول في الدارجة المصرية) وبين التمتع ببعض الامتيازات المجتمعية وبينهم وبين طرق أبواب الترقي الاقتصادي والاجتماعي والمهني والمعيشي، ويحيلونهم في التحليل الأخير إلى مواقع فقر وضعف وتهميش يراد لها الديمومة.


تتهاوى فكرة الدولة الوطنية الحديثة ونشهد صدى انهياراتها في بلدان كسوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن ونتابع بإيقاع يومي فقدان منظومات حكمها وسلطتها شرعية القبول الشعبي، حين يحال حكوميا بين فئات من المواطنات والمواطنين وبين التمتع بجنسية البلد المعنية (كارثة البدون خليجيا) وحين يحال عمليا بين أبناء «الغلابة» وبين الالتحاق بالمؤسسات والأجهزة العامة و لأسباب تتعلق بالخلفيات الاجتماعية والاقتصادية لأمهاتهم وآبائهم.


استفيقوا، ففكرة الدولة الوطنية الحديثة، وبعيدا عن الحروب الأهلية وجرائم عصابات الإرهاب التي تلاحقنا في مواضع عربية كثيرة، صارت جوفاء وخالية من المضمون.

 

القدس العربي 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"