انقسم المجتمع التركي بين مؤيدين للتطعيم ضد فيروس كورونا ومعارضين له، في ظل النقاش الدائر حول فوائد التطعيم وأضراره، واللغط الذي يلقي بظلاله على مجالس الناس ويشوش على عقولهم، بسبب انتشار شائعات تقول إن الجائحة وعملية التطعيم مؤامرة كبيرة يقف وراءها أنصار العولمة.

المعارضون للتطعيم ضد كوفيد-19 هم أيضا ينقسمون فيما بينهم إلى قسمين: أحدهما يرفض كافة أنواع اللقاحات، بغض النظر عن كون اللقاح صينيا، أو ألمانيا، أو روسيا، فيما يشكك الثاني في اللقاحات الأجنبية، وينتظر إنتاج اللقاح التركي. إلا أن هناك طرفا آخر يثير المعارضة للتطعيم ضد فيروس كورونا بهدف عرقلة جهود الحكومة في مكافحة الجائحة، ويسعى إلى تسييس هذه المعارضة وتحويلها إلى معارضة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

الغريب في الأمر، أن هناك نسبة من الإسلاميين المؤيدين للحكومة لا يثقون بتصريحات وزير الصحة ولا بالتدابير التي تتخذها الوزارة في إطار مكافحة الجائحة، ويعود سبب ذلك إلى تلوثهم بالعقلية المؤامراتية التي زرعها فيهم إعلاميون يعملون في وسائل الإعلام المقربة من الحكومة.

هناك نسبة من الإسلاميين المؤيدين للحكومة لا يثقون بتصريحات وزير الصحة ولا بالتدابير التي تتخذها الوزارة في إطار مكافحة الجائحة، ويعود بسبب ذلك إلى تلوثهم بالعقلية المؤامراتية التي زرعها فيهم إعلاميون يعملون في وسائل الإعلام المقربة من الحكومة


الإسلاميون في تركيا تعرضوا منذ ثمانينيات القرن الماضي لعملية نشر العقلية المؤامراتية؛ تولى كبرها عدد من الكتاب ما زالوا يمارسون هوايتهم المفضلة للفت الانتباه والتظاهر بأنهم يعرفون خفايا الأمور، على الرغم من أن معظم الناس ابتعدوا عنهم بسبب شطحاتهم وانفضاح أمرهم في عصر الإنترنت.

هناك أمثلة واقعية تكشف طريقة تفكير هؤلاء الكتاب الصحفيين وأساليب استخدامهم للعقلية المؤامراتية. وفي أحد تلك الأمثلة، كتب أحدهم قبل سنوات مقالين متتاليين ادّعى فيهما أن القوات الكردية من شمال العراق تقاتل في اليمن ضد الحوثيين، في مقابل الأموال التي تدفع لها من علي عبد الله صالح. وبسبب شهرته لدى كثير من الإسلاميين كــ"أعلم كاتب صحفي في السياسة الخارجية"، فقد تمت إعادة نشر المقالين في المواقع الإخبارية. وفي الحقيقة، لم تكن هناك قوات كردية في اليمن، بل كان إعلام الحوثيين أو حزب الله اللبناني قد استخدم مصطلح "البشمركة" لوصف قوات القبائل اليمنية الموالية للرئيس اليمني آنذاك بــ"المرتزقة"، وظن هذا الكاتب أن المقصود قوات كردية ذهبت إلى اليمن من شمال العراق لتقاتل ضد الحوثيين، وبنى على ذلك تحليلات عجيبة.

وفي المثال الثاني، وهو أغرب من الأول، ويشبه تماما قصة "الخنفشار" الشهيرة، سألت مجلة تركية عام 1993 عددا من المشاهير، بينهم كاتب صحفي إسلامي، عن آرائهم حول مرض "إتنودرتين" الذي قالت إنه منتشر بين النساء في منطقة البحر الأسود. ولم يكن هناك أي مرض بهذا الاسم في العالم، بل كان السؤال فخا لاختبار هؤلاء المشاهير. وبدأ ذاك الكاتب الإسلامي يتحدث عن المرض الخيالي، وقال إن الناس في أفريقيا وأمريكا وآسيا عانوا منه كثيرا، كما أنه ربط سبب انتشاره في منطقة البحر الأسود بكارثة تشيرنوبل والثقب في طبقة الأوزون، وتطرق إلى سبب عدم انتشاره بين نساء جنوب شرق تركيا، وذكر أشياء كثيرة من كيسه. وما زال يكتب ذاك الرجل في إحدى الصحف المقربة من الحكومة، بل وقام قبل أيام بتنظيم مظاهرة في إسطنبول، لحث المواطنين على رفض التطعيم ضد فيروس كورونا.

يجب أن تتظافر الجهود لرفع مستوى الوعي لدى المجتمع، والإسلاميين على وجه الخصوص، والقضاء على تلك العقلية المرضية التي تنخر في عقول المواطنين وتجعلها قابلة للتوجيه والتلاعب


حقيقة فيروس كورونا، والتطعيم ضده، وفوائد اللقاحات وأضرارها المحتملة، يمكن أن تتم مناقشتها في إطارها العلمي من قبل الأطباء والخبراء والمتخصصين في هذا المجال، إلا أن استغلال "كاتب خنفشاري" هذا الموضوع للفت الانتباه أو الانتقام من الحكومة التي لم تقدره حق تقديره حسب رأيه، أو لأسباب أخرى، غير مقبول، لأنه يعرض المواطنين للخطر، في الوقت الذي يموت فيه يوميا عشرات منهم بسبب الفيروس القاتل، ويبذل الأطباء والممرضون جهودا كبيرة لعلاجه ومنع انتشاره.

المجتمع التركي بما فيه الإسلاميون ليس بحاجة اليوم للاستماع إلى الخنفشاريين من أجل معرفة ما يدور في المنطقة والدول الإسلامية والعالم؛ لأن البلاد ليست كما كانت في ثمانينيات القرن الماضي. بل إن هناك عددا كبيرا من مراكز البحوث والدراسات المرموقة، مثل سيتا وأورسام وغيرهما، وعشرات الخبراء والأكاديميين يعملون فيها ويتابعون كافة التطورات في دول العالم عن كثب بحسب تخصصاتهم، إلا أن لوثة العقلية المؤامراتية ما زالت موجودة لدى شريحة لا يمكن الاستهانة بها. وبالتالي، فإنه يجب أن تتضافر الجهود لرفع مستوى الوعي لدى المجتمع، والإسلاميين على وجه الخصوص، والقضاء على تلك العقلية المرضية التي تنخر في عقول المواطنين وتجعلها قابلة للتوجيه والتلاعب.

twitter.com/ismail_yasa

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"