تَتَفَنن النظم الاستبدادية بإطلاقها كثيرا من التسميات الفخمة والتي لا تعبر - من جهة علوم اللغة - إلا عما يمكن تسميته بفائض الكلام، أو أن تكون ضمن "زخرف القول غرورا"؛ بين هذا وذاك تقع استراتيجية حقوق الإنسان التي أعلن عن إطلاقها المنقلب في احتفال إعلامي دُعي إليه العديد من الوزراء والشخصيات العامة والإعلامية ومعظم الجوقة التي تحيط به في مؤتمراته وجولاته.

وقامت الأبواق الإعلامية والسياسية بمهمتها في إطلاق حملة كبرى لدعم وترويج هذه الاستراتيجية، وعلى رأسها وزارة الخارجية التي قامت بنشر نص هذه الوثيقة على صفحاتها الرسمية. ومن المهم أن نشير إلى قيام السفارة المصرية بعمل "تاج" و"منشن" للخارجية الأمريكية وبعض المشرعين الأمريكيين ومكتب الخارجية لشؤون الشرق الأوسط؛ على خبر نشرته وزارة الخارجية المصرية بإطلاق اللجنة الوطنية المصرية للاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.

وبدأ الصحفيون يروجون لهذه الوثيقة باعتبارها فتحا كبيرا في الجمهورية الجديدة، والتي هي أيضا من جملة الأوصاف التي تحملها تلك الأبواق في محاولة إيهام عموم الناس بأن هناك أمرا مستجدا يحدث، وفي محاولة نقل تلك الصورة إلى الخارج كما هو المعتاد في إطار هذه المنظومة التي لا تخشى إلا من الخارج؛ حينما يُنتقد الحال المتعلق بحقوق الإنسان في مصر، والانتهاكات الخطيرة والكبرى التي يقوم بها النظام ليل نهار بأجهزته الأمنية والقضائية وإدارة سجونه.

تذكرني تلك الاستراتيجية بما دشنه مؤتمر الحزب الوطني على عهد المخلوع مبارك قبيل خلعه؛ تحت مسمى "وثيقة حقوق الإنسان والمواطنة"، واتخذ ذلك المؤتمر شعار "مصر المستقبل"، وحينما سُئل هؤلاء عن ذلك التطور جاءت الإجابة سريعا بأن على كل مواطن أن يفخر وكل إنسان على أرض مصر بهذه الوثيقة التي نشرت على الموقع الالكتروني للحزب الوطني.

وكانت دلالة هذه الوثيقة أن الانتخابات البرلمانية التي لحقتها (انتخابات 2010) قد شهدت أعلى معدل تزوير، وعندما لم تعترف بها كثير من القوى السياسية التي خاضت الانتخابات وقررت تشكيل برلمان مواز، سخر منه المخلوع مبارك بعبارته الشهيرة التي كانت إيذانا بثورة عظيمة في الخامس والعشرين من يناير: "خليهم يتسلوا"، وكأن على كل مواطن يريد أن يأخذ حقه في الإنسانية والمواطنة عليه فقط أن يدخل إلى مواقع الحزب الوطني حتى يتملّى بجمال العبارات المنمقة حول الحقوق الإنسانية، فكانت هي الأخرى "زخرفا من القول غرورا". وقالوا آنذاك إن هذه الحقوق التي تضمنتها تلك الوثيقة تتعدى الستين حقاً، وكأن الحقوق بالعدد وأن جدوى الوثيقة في عدد الحقوق التي ذكرتها، ولكنها في حقيقة الأمر كانت تعبر عن توجه تلك السلطة الطغيانية وصناعتها لوهم الاهتمام بالشأن الحقوقي.

وتذكرني هذه الاستراتيجية كذلك بنكتة شهيرة حينما أطلق المعنى الذي يتعلق بمراعاة ورعاية حقوق الإنسان، فتساءل الإنسان العادي: "ما معنى مراعاة ورعاية"؟ وتساءل الثاني: "ما معنى حقوق"؟ وتساءل الثالث: "ما معنى الإنسان"؟ فهذه الكلمات في حقيقة الأمر لم تكن إلا كلمات الزينة تطلقها الأنظمة الاستبدادية اعتقاداً منها أن كثرة الكلام عن حقوق الإنسان هو بمثابة الحفاظ عليها؛ ولكن الممارسات والسياسات كانت تؤكد عليهم كل يوم مرارا وتكرارا: "كذبتم وافتريتم".

لم تكن تلك التساؤلات من بعض عموم الناس عن تلك الكلمات الثلاث إلا مدخلا للتساؤل من جانبنا: ماذا يعني هؤلاء بالكلمات الثلاث التي يتضمنها ذلك الإعلان المدوي كما أرادوا عن "استراتيجية" و"حقوق الإنسان"؟ ولعل الأمر يؤكد ما قاله الشاعر "أحمد مطر" في شطر بيته "في بلادنا مواطن أو سلطان ليس لدينا إنسان"، معبرا عن تلك الحالة الاستبدادية التي تتغنى بألفاظ براقة من "مواطن" و"مواطنة" ومن سلطة طاغية فاشية مستبدة مُتألِهة، وفي حقيقة الأمر فإن السلطان يَعُد نفسه "سيدا" أو "إلها" فوق "الإنسان"، وأن "المواطن" تحت خط "الإنسانية"، وأن هذا وذاك ينصرف في النهاية إلى أحط أشكال العبودية في نظام مستبد بوليسي فاشي. الحقيقة المرة التي تحملها تلك الكلمات أنه "ليس لدينا إنسان"؛ إنسان مكرم له من الحقوق وعليه من الالتزامات، حقوقه محترمة معرفة، والتزاماته في طاقته ووسعه. ومن هنا نواصل ذلك التساؤل: ما هي "الاستراتيجية"، وما هي "الحقوق"، وما هو "الإنسان"؟

وفي ظل تلك "الهوجة" من الكلمات والفائض منها والمزخرف فيها؛ سنرى أنه من قبل شهور خرجت علينا الصحف المحلية المصرية بتصريح لرئيس وزراء منظومة الانقلاب قائلا إنه قد تلقى "توجيها بضرورة العمل على بناء دولة ديمقراطية مدنية".. وكأن الحقوق بالكلام، وإقامة الحياة الديمقراطية بالتوجيهات. فالأمر على غير ذلك؛ حينما نعطي للكلمات حقها، وحينما نتعرف على جوهرها، وكذلك حين نؤكد على مضمونها والتزاماتها ومتطلباتها والسياسات العملية المتعلقة بها، حتى لا يكون الأمر مجرد كلام فائض أو فارغ من المضمون ومن الفعل.

ولعل واحدا من أهداف تلك السلسلة من المقالات التي نكتبها حول "المواطنة من جديد" هو تقديم جملة من الاستدراكات حول هذا المفهوم وحول حقيقته الكبرى، خاصة حينما نؤكد على "إنسانية المواطنة"، و"مواطنة الإنسانية"، والتعبير عن ذلك بحقوق تأسيسية تجد نفسها راسخة في منظومة حقيقية تتعلق بحقوق الإنسان.

ولعل ذلك يحيلنا إلى استخدام تلك الكلمات الفخمة التي يستخدمها "دهاقنة النظام" و"جوقته الفاسدة" حينما تتحدث عن ذلك بكونه استراتيجية"، فهل يفهم هؤلاء معنى الاستراتيجية الحقيقي، أم أنهم يطلقون من الكلمات المزخرفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟

فالاستراتيجية عقل العمل، وهذا النظام الانقلابي رؤيته للوطن والمواطنين تخلو من العقل وتتسم بعطالة في الفعل والعمل، بطالة وعطالة مقصودة لأنها لا يمكنها بأي حال أن تجعل مصالح المواطن والوطن محلا لنظرها وبناء استراتيجياتها. وهل في الحقيقة يمكن لذلك النظام أن يبني استراتيجيات وهو لا يقيم وزنا لدراسات جدوى في كل مشروعاته التي يقوم عليها، بل إن ذلك محل فخر من جانبه، فهو نظام جاهل يحترف الفشل، ولا يتبنى إلا استراتيجية الترويع والتفزيع وصناعة الخوف، وكذلك استراتيجية الإفقار والإهانة والتجويع. كل ذلك في سياق صناعة استبدادية كبرى لحالة العبودية والقطيع.

وكذلك ما هي الحقوق؟ نقول لهؤلاء إنه ما رأينا من سياساتهم إلا إهدارا لكل الحقوق، بل إن هؤلاء لا ينظرون منذ البداية أن للمواطن والإنسان في بر مصر حقوقا يمكن أن يطالب بها. ومن ثم تبدو تلك الانتقادات التي توجه لذلك النظام هنا وهناك من داخل أو من خارج حينما نتحدث عن انتهاك الحقوق. فالأمر يسير دائما في أن الحقوق محفوظة، ولكنها حقوق لا معنى لها ولا تجد لها أثرا في حياة الناس.

فحينما نتحدث عن حقوق الناس في التعليم يأتينا الرد: "ماذا يعمل التعليم في وطن ضائع"، و"ما عدد أفراد أسرتك؟"، وحينما نتحدث عن الحق في الحياة الكريمة والعيش الكريم يقال: "أعطني تريليونا حتى يمكن أن تسائلني أو تحاسبني"، معللا تقصيره وإهماله وفشله وطغيانه.

فحال الإنسان المقهور والمهدور معروف للكافة، فلا حقوق تأسيسية، ولا حقوق مدنية أو سياسية، ولا حقوق جماعية أو اجتماعية، والإنسان محل للتنكيل والاعتقال والمطاردة، بل وارتكاب المجازر في حقه. فالمواطن بين مقتول خارج إطار القانون بتصفية جسدية، أو بالقتل البطيء من جراء إهماله طبيا وصحيا، أو معدم بإفقاره وتجويعه وتحميله ما لا يطيق من غول غلاء أسعار، وجباية أموال مكوس وضرائب.

وقد صدق أحمد مطر حينما قال "ليس لدينا إنسان".. هكذا نرى وثيقة استراتيجية حقوق الإنسان، ولنا جولات أخرى مع تلك الاستراتيجية المزعومة.

twitter.com/Saif_abdelfatah

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"