نظرية الاستبداد الشرقي شائعة حتى إنها لتصل في أذهان العامة والخاصة إلى رتبة الحقيقة والقاعدة والسنّة الكونية الحتمية في العلوم السياسية، قال بها أرسطو مبكراً: "يتمثل الطغيان بمعناه الدقيق في الطغيان الشرقيّ حيث تجد لدى الشعوب الآسيوية على خلاف الشعوب الأوروبية طبيعة العبيد". وافق مونتسيكو أرسطو، فوجد أنَّ "الحكومة المعتدلة هي أصلح ما يكون للعالم المسيحي، وأن الحكومة المستبدة هي أصلح ما يكون للعالم الإسلامي".

سنحسن الظن بمونتسيكو ونقول إنه جاهل بالإسلام وبالمسيحية أيضا، لكننا سنجد صحابياً هو عمرو بن العاص يثني على الروم وهو يردّ على المستورد القرشي، الذي سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك.

يقول إمام عبد الفتاح إمام في كتابه "الطاغية" إنَّ نظرية الحق الإلهي ظهرت مع المسيحية في الشرق، وإنّ الفصل بين الحق الإلهي والحق الشعبي ظهر في العصور الوسطى مع البروتستانتية، وإن الإسكندر المقدوني وهو يغزو الشرق، بدلاً من أن يبشر بالديمقراطية الأثينية أصيب بلوثة الاستبداد، ذلك أن الإسكندر المقدوني أُعجب بسجود الناس للملك في فارس فوجدها مفيدة لصحته النفسيّه فأخذها عنهم.

ونتذكر أن ترامب أظهر حسده من منزلة رئيس كوريا الشمالية الأبدي الأبد الفرد الصمد. يقول مؤرخون إن الإسكندر كان يعتقد بعدم جواز سجود البشر إلا للآلهة، لكننا نرى أعضاء الحكومة البريطانية يركعون على ركبهم للملكة البريطانية. والركوع نصف سجود، ويُظنّ أنَّ سبب إقالة زعيم حزب العمال جيرمي كوربين هو أنه رفض الركوع للملكة. ومن ينظر في الدستور البريطاني يجد سلطاتها مثل سلطات حافظ الأسد والسيسي لكنها سلطات مزينة بالحرير.

ويرى أصحاب نظرية الاستبداد الشرقي، وكلهم لاتينيون، أنَّ الحاكم في مصر جمع بين الألوهية والبشرية، بل إنَّ الحاكم المصري كان يجمع أحياناً صفات عدة آلهة، فهو إله الدنيا وإله الموت، وكان أقدس من أن يخاطبه أحد مباشرة، والقضاء يحكم برغبات الملك، فهو الجسر بين الآلهة والشعب، وهو القانون، وكذلك كان الأمر في بابل.

ويزعم المؤرخون أنَّ الغزو الإغريقي للشرق أتى بمفعول عكسي، فأصبحت المرحلة الهلنستية مرحلة ملكية غير مقيّدة، وأطلق الإسكندر المقدوني على نفسه سيد آسيا، فلبس أزياء الشرق، وألّه الحاكم، وأمسى ابن الإله أمون، وإنه فعل ذلك مجاملة للمصريين المعتادين على العبودية، وعارض المقدونيون السجود له. ويروى أنَّ أحد قواده غرق في الضحك عندما رأى الناس يسجدون له، وأنَّ الاستبداد الشرقي أغرى الرومان، ففعل بومبي ما فعله الإسكندر.

ويقول إمام عبد الفتاح إنَّ الإمبراطور أغسطس استعبد الناس في مصر، لكنه كان حذراً في بلاده، ولم يجاوز هذا الأمر سوى كاليجولا ونيرون ودميتيان طاغية كورنثة الشهير، الذين نافسوا ملوك الشرق في الطغيان. فهناك عصر اسمه عصر طغاة اليونان، ثم يستشهد بالعصر الحديث فجأة فيقول: إن موت كيندي لم يؤثر على الناس، وإن أحدا لم يبكِ ديجول، وازدراه الناس مع إنجازاته الكبيرة ولم ينتخبوه، بينما قدّس الشعب المصري عبد الناصر عند موته، بعد أن فقد خُمس الأراضي المصرية والضفة وغزة، وفقد آلاف المصريين، وخسر حروبه الخمس، وعندما زار السودان استقبل استقبال الفاتحين، وكذلك فعل الإيرانيون عند موت الخميني.

كارل فيتفوجل رأى في نظريته في الاستبداد الشرقي أنه أشد شمولاً من نظيره في الغرب، ويردُّ السبب إلى الاقتصاد، وأنَّ سبب الاستبداد الشرقي هو الماء، فمهمة الطاغية كانت توصيل المياه من النهر إلى الأرض وحماية مياه الري من الفيضان وتوفير المياه في فصول الجفاف، ويقول: إنَّ السلطة المطلقة مكّنت حكام سومر وبابل ومصر من بناء القصور والحدائق والمقابر، وإنَّ الطغاة سنّوا العقاب حتى للأبرياء للترويع في الصين وفي الهند، وكان الرعب ملازماً لاستبداد الفراعنة، ترمز إليه زينة الأفعى، ولم تكن وزارة العدل إلا وزارة الظلم، ويصف المجتمع الشرقي بمجتمع الطاعة.

لكن هؤلاء الفلاسفة لا يفرقون بين إسلام وجاهلية وبين الصين وبين بلاد العرب واليابان، فكلها شرق عندهم، أما مجازر الغرب فلم يعرف لها في التاريخ مثيل.

إذا ذكرنا مجازر محاكم التفتيش التي تواصلت 300 سنة، والقنابل النووية التي ألقيت على نجازاكي وهورشيما في اليابان، وهي أسلحة محرّمة، وإبادة أكثر من 100 مليون هندي أحمر في جنوب أمريكا، ونحو 50 مليون هندي أحمر في شمال أمريكا، وخطف أكثر من 180 مليون أفريقي كعبيد من أفريقيا، مات منهم ما نسبته 88 في المئة من الجوع والمرض واليأس وتمّ إلقاؤهم في المحيطات. سيقال إن هؤلاء مستبدون في حق شعوب غير شعوبهم.

لكن لم يحدث أن ارتكب طاغية شرقي ما ارتكبه طغاة الغرب مثل هتلر وستالين من مذابح بحق شعوبهم، وأبادا الملايين من أبناء شعبيهما، وليس من الأعداء.

نجد أن ستالين أعدم الملايين من الأولاد المشردين بعد أن قتل آباءهم كي يوفر لقمتهم ويرتاح من منظرهم في الشوارع، فلم يبلغ الأمر بفرعون موسى هذا المقدار، فكان يعدم الأطفال سنة ويعفو عنهم سنة، بعد أن رأى رؤيا بقتل طفل له، وتنسب الحكاية إلى النمرود أيضاً. وكان هتلر يتخلص من الغجر واليهود والمعوقين لأنهم مستهلكون للغذاء بلا فائدة.

وهما طاغيتان معاصران من القرن العشرين، ولن تجد في بلاد الشرق العربية ملكاً استأصل قوماً، أشهر ظالم عربي كان الحجاج، وكان أميراً على العراق، وقد ظُلم فله أوليات ومحامد كثيرة، والحاكم بأمر الله الذي كان قاسياً، وأخباره ملتبسة.

ولم يحدث في الشرق أن أطلق المؤرخون أسماء الملوك والطغاة على الزمن ومنازله. وكان التقويم منسوباً ليوليان، وفيه شهران يمجدان قائدين من قادة الرومان، هما يوليوس قيصر وأغسطس. أما الطغاة المسلمون المعاصرون أمثال صدام حسين وحافظ الأسد وجمال عبد الناصر وعبد الفتاح السيسي، فكانوا حكاما ناطقين. الرغبة في الاستبداد لا تفرق بين شرق وغرب، وإنما هي نزوع بشري يظهر ويختفي هنا وهناك حسب موازين قوة الشعب وضعفه:

"كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ".

twitter.com/OmarImaromar

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"