كتبتُ، قبل بضعة أشهر، عن الحركة المتنامية داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، وبخاصة بين جناح اليسار، لانتقاد إسرائيل. وهناك أيضاً حركة بين الديمقراطيين لانتقاد مصر بسبب التساؤلات حول حقوق الإنسان.

 

وشاهدنا في الأسبوع الماضي عندما طالب عضو بارز في مجلس الشيوخ الأمريكي، السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، الذي يرأس اللجنة الفرعية حول الشرق الأوسط، بخفض المساعدات العسكرية لمصر بمقدار ثلاثمائة مليون دولار.


بيد أن هذا الانتقاد من جانب الديمقراطيين ليس بالأمر الجديد. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعد الانتخابات الرئاسية، كتب عشرة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، و28 من أعضاء مجلس النواب، رسالة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي يحثون فيها على إطلاق سراح الناشطين المحتجزين وإنهاء الضغوط على منظمات حقوق الإنسان المصرية.

 

وبالإضافة إلى ميرفي، كان زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ ريتشارد دوربين، والمرشحان السابقان للرئاسة بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، من بين أعضاء مجلس الشيوخ الذين وقّعوا على الرسالة. وكان من بين أعضاء مجلس النواب الذين وقّعوا على الرسالة أيضاً، غريغوري ميكس، الذي يشغل الآن منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، وتيد دويتش، رئيس اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأوسط.


ولا أستطيع أن أؤكد بما فيه الكفاية مدى الانقسام المتساوي الذي تشهده أمريكا الآن، وكيف تشكّل الوحدة في الحزب الديمقراطي أهمية بالغة في الحفاظ على سيطرتها على الكونغرس والبيت الأبيض. كان المرشح الرئاسي جوزيف بايدن في حاجة ماسّة إلى دعم الديمقراطيين اليساريين في حملته الانتخابية. ويريد الجانب اليساري من الحزب الديمقراطي ممارسة ضغط قوي من أجل احترام حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

 

وعلى النقيض من هذا، فإن بايدن رجل عملي في التعامل مع السياسة الخارجية. عندما كان نائباً للرئيس أوباما، أبلغ مسؤولي البيت الأبيض الذين ليست لديهم خبرة طويلة، مثل سامانثا باور وبن رودس، أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون المصلحة الأولى للسياسة الخارجية الأمريكية. ولم يعتقد أن أمريكا يمكن أن تجعل من أفغانستان دولة ديمقراطية. وكان يعتقد أن حسني مبارك كان حليفاً للولايات المتحدة، وحث إدارة أوباما على عدم التخلي عن مبارك.

ولكن لإرضاء الديمقراطيين اليساريين، أعلن بايدن خلال الحملة الانتخابية في يوليو (تموز) الماضي أنه إذا فاز في الانتخابات، لن يكون هناك المزيد من «الشيكات الفارغة» للقاهرة. وقال وزير الخارجية بلينكن في فبراير (شباط) الماضي إن حقوق الإنسان سوف تكون قضية مركزية في العلاقة مع مصر. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن بلينكن أرسل تعليمات إلى الدبلوماسيين الأمريكيين في يوليو ليتحدثوا علناً عن انتهاكات حقوق الإنسان، وليلتقوا نشطاء حقوق الإنسان. وبذلك، يمكنكم رؤية تأثير الجناح اليساري للحزب الديمقراطي في إدارة بايدن.


والآن، تواجه إدارة بايدن خياراً بشأن اقتراح ميرفي خفض المساعدات العسكرية لمصر بمقدار ثلاثمائة مليون دولار. يُذكّر حلفاء مصر في واشنطن بأن القاهرة لها دور حيوي في الاستقرار الإقليمي. ويشيرون إلى الدور المهم لمصر في وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل في مايو (أيار) الماضي. ويشددون على مشاركة مصر في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب. وأشار مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن مصر سهّلت في عام 2019 المرور السريع لحاملة طائرات أمريكية عبر قناة السويس إلى بحر العرب، رداً على التهديدات الإيرانية للاستقرار الإقليمي.


في الماضي، كانت هذه النقاط كافية لإقناع الكونغرس بعدم ممارسة الضغوط على مصر، ولكن الآن عدّل منتقدو القاهرة من حججهم. وقال ميرفي الأسبوع الماضي إن القاهرة تدعم الاستقرار الإقليمي وجهود مكافحة الإرهاب لأن ذلك يصبّ في مصلحة مصر. ويمكنها الاستمرار في اتباع هذه التدابير من دون الحصول على القدر الكامل من المساعدات العسكرية الأمريكية.

 

كما يقول بعض المحللين الذين لهم صلات بالحزب الديمقراطي إن مصر كانت في ثمانينات القرن الماضي هي الدولة العربية الوحيدة التي وقّعت معاهدة سلام مع إسرائيل، ولكن الآن في عام 2021 تغيرت الأوضاع وعلاقة أمريكا بمصر.

 

كذلك، لا يهتم هؤلاء الديمقراطيون إذا ما فقدت شركات الأسلحة الأمريكية مبيعاتها في مصر لصالح منافسيها من الدول الأخرى. وبدلا من ذلك، فإن الديمقراطيين من أمثال ميرفي يجادلون بأن القاهرة ستكون أكثر تسامحاً مع نشطاء حقوق الإنسان لو فهمت أنها قد تحصل على ثلاثمائة مليون دولار إضافية من المساعدات.

 

ولكنني أشكك في أن الرئيس بايدن يعتقد ذلك، كما أشكك في أنه يدعم هذا الموقف. فلقد أيّد قرار أوباما بإعادة المساعدات العسكرية لمصر في 2015 بعد وقف المساعدات العسكرية في 2013 الذي لم يسفر عن تغيير في موقف القاهرة من ملف حقوق الإنسان.

 

ولكن من المؤكد أن بايدن يفكر أيضاً في تعبئة جميع الناخبين الديمقراطيين في انتخابات الكونغرس في عام 2022 والانتخابات الرئاسية في عام 2024، ولا يكفي الجناح اليساري للحزب الديمقراطي أن ينتقد فريق بايدن حقوق الإنسان فقط في روسيا والصين. ومن ثم يجب على بايدن أن يجد سبلاً لإثبات مصداقية إدارته داخل حزبه حول قضية حقوق الإنسان، وستكون مصر اختباراً بارزاً في ذلك.

 

(الشرق الأوسط اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"