كان هذا الشعار نوعاً من «برنامج عمل» القيادة الناصرية في مصر بعد هزيمة حزيران 1967، وقد لاقى ما يستحقه من استهجان في الرأي العام المصري والعربي. فقد كان يهدف إلى التهرب من استحقاقات الهزيمة، وفي مقدمها اعتراف تلك القيادة بمسؤوليتها عن الهزيمة العسكرية وبوجوب خضوعها للمحاسبة الشعبية وتقديم استقالتها، بدلاً من التمسك الذليل بالسلطة بذريعة أن «العدوان الإسرائيلي فشل في تحقيق هدفه» المتمثل في إسقاط النظامين «التقدميين»! في مصر وسوريا كما كانت وسائل إعلام النظامين تروج.

تذكرت هذا الشعار وأنا أتابع الأخبار المقلقة القادمة من تونس بعد القرارات الانقلابية التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيد، فأقال الحكومة الشرعية وعطل عمل البرلمان، متذرعاً بالصلاحيات الاستثنائية التي قال إن الدستور زوده بها. فهذا الانقلاب الذي يذكر بانقلاب الثالث من شهر تموز 2013 في مصر هو نوع من إزالة آخر أثر لثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس نفسها في أواخر العام 2010، وامتدت إلى عدد من البلدان العربية، ثم انتكست تباعاً من خلال إغراقها بحروب دموية وتدخلات عسكرية خارجية بهدف القضاء على فكرة الثورة بالذات.

فبعد هزيمة جميع تلك الثورات، من ليبيا إلى اليمن فمصر فسوريا، بقيت تونس التجربة الوحيدة الناجحة في تلك السلسلة، على رغم كل المشكلات التي اعترت الحياة السياسية في تونس، وفشل النخب السياسية في وضع الأمور على سكتها للمضي قدماً إلى الأمام. وهكذا كان على قوى الثورة المضادة أن تكمل مهمتها في الإجهاز على التجربة الديمقراطية في تونس بعد نجاحها في ذلك في دول الثورات الأخرى. فنجاح التجربة التونسية، حتى لو شكل استثناءً، يعني أن فكرة الثورة على أنظمة الحكم البدائية الفاشلة سوف تستمر في إلهاب حماسة الناس، كما حدث فعلاً في لبنان والعراق والجزائر والسودان فيما سمي الموجة الثانية لثورات الربيع العربي بين 2018 ـ 2019. لذلك كان لا بد من إسقاط التجربة التونسية.

هذا لا يعني بحال أن تونس كانت في أحسن أوضاعها، فتدخلت القوى الخارجية المضادة للثورات لتفتعل مشكلة بلا أساس. فعوامل الأزمة السياسية في تونس داخلية أساساً، وقد ارتفع منسوب التذمر الشعبي من فشل النخب السياسية في حل مشكلات البلاد إلى درجة عالية. وهذا ما أضفى على قرارات الرئيس سعيد شيئاً من المشروعية الشعبية. هذا خطر بحد ذاته، فهو يعيدنا إلى فكرة «المنقذ» الذي يضرب الطاولة بقبضته و«يصحح المسار». أليست هذه الفكرة هي أساس كل انقلاب عسكري قضى على الحياة السياسية بذريعة «تصحيحها»؟

الجديد في الأمر هو أن قيس سعيد ليس عسكرياً كعبد الفتاح السيسي، ولا سند عشائرياً له كصدام حسين أو علي عبد الله صالح. فأساس شرعيته الوحيد هو الناخب التونسي الذي جاء به إلى السلطة بنسبة عالية من الأصوات، ويسند مشروعية قراراته الانقلابية إلى التذمر الشعبي من الطبقة السياسية. في هذا إنما يختلف انقلاب سعيد عن الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي في تموز 2013 في مصر. ربما يمكن إطلاق وصف «الانقلاب المدني» على ما يقوم به سعيد في تونس. شاع استخدام هذا التعبير الغريب في الرأي العام التركي، بعدما اتضحت الميول السلطوية للرئيس أردوغان قبل سنوات. فتركيا ذات التاريخ الحافل بالانقلابات العسكرية، الناجحة منها والفاشلة، محكومة من حزب العدالة والتنمية بصورة متصلة منذ 19 عاماً، وبلا أي إخلال بالنظام الديمقراطي القائم على تداول السلطة بانتخابات دورية. طرحت الكاتبة السياسية المعروفة «نوراي مرت» تعبير «الانقلاب المدني» قبل سنوات، في وصف التوجهات السلطوية المتصاعدة، فووجه اقتراحها بانتقادات شديدة. لكنه بمرور السنوات أخذ يلاقي رواجاً أكبر باعتباره أداة تفسير معقولة للحالة السلطوية القائمة.

غير أن ما أسميه بقوى الثورة المضادة تستثمر أساساً في مشكلات داخلية موجودة، فتبني عليها وتعزز مفاعيلها باتجاه إفشال ثورات الربيع العربي. هذا ما أسميه بإزالة آثار العدوان من وجهة نظر هذه القوى المضادة. فثورات الربيع كانت، في نظرها، بمثابة «عدوان» على استقرار تلك الأنظمة واسترخائها اللذيذ، جعلها في حالة هلع على مستقبلها، ثم انتقلت من حالة الدفاع إلى الهجوم بعدما انكشفت نقاط ضعف العدو (أي الثورات) فاستثمرتها إلى أقصى الحدود. ذلك أن نجاحها المحتمل في هزيمة تلك الثورات من شأنه أن يعيد إلى الواجهة نظرية «الاستثناء العربي» التي يمكن ترجمتها بصورة فظة بعبارة إن «الشعوب العربية لا تستحق الحرية» أو لم تنضج بما يكفي لتحكم نفسها بنفسها، وذلك «لأسباب ثقافية» خاصة بها!

بهدف تدقيق العبارة المنسية كتبت على محرك البحث غوغل عبارة «إزالة آثار العدوان» لأتأكد من أن هذه هي الكلمات الصحيحة للشعار القديم. وإذ بي أجد في أول قائمة الروابط مقالة منشورة في صحيفة الأهرام المصرية بالعنوان نفسه، وعن الحدث التونسي بالذات! فقد كتب مرسي عطا الله مقالة من جزأين بعنوان «ما أشبه الليلة بالبارحة» والعنوان الفرعي للجزء الثاني «إزالة آثار العدوان» شبه فيه قرارات قيس سعيد بـ«قرارات» 3 تموز 2013 في مصر، وختم مقاله بالأسطر التالية:

«ظني أن صحوة التونسيين من كابوس ثقيل جثم على نفوسهم وصدورهم نحو 10 سنوات تمثل أقوى ضمانات النجاح لمسيرة التصحيح التي لن تتأثر بالصراخ والصخب الذي يحاول الغنوشي اللجوء إليه داخل وخارج تونس هذه الأيام!»

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"