يشكل الهجوم على سفينة الشحن الإسرائيلية «ميرسر ستريت» في مساء يوم الخميس الماضي علامة فارقة في الصراع البحري الدائر بين إسرائيل وإيران والذي عبر عن نفسه بهجمات متبادلة على السفن والأهداف البحرية. وهذه المرة انتهى الهجوم بخسائر في الأرواح، والأسوأ هو مقتل مواطنين أحدهما بريطاني والآخر روماني لسوء حظ إيران، على فرض أن المعلومات التي يجري تداولها بشأن مسؤولية إيران هي صحيحة. وقد تترتب عليه تطورات ونتائج بعيدة المدى على شكل العلاقة والصراع، ما قد يعيد خلط الأوراق والمعادلات في المنطقة.

الفرضية الأميركية- الإسرائيلية التي تشاركهما فيها بريطانيا ودول أخرى هي أن إيران تتحمل المسؤولية عن هذا الهجوم، على اعتبار أن هذا النوع من الهجمات باستخدام الطائرات المسيرة سبق وأن قامت به إيران ضد أهداف برية وبحرية في المنطقة. كما أن إيران تحاول طوال الوقت التعرض لأهداف إسرائيلية رداً على اعتداءات إسرائيلية مماثلة. وقد تحدث وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن بصورة قاطعة بأن واشنطن واثقة من أن إيران نفذت الهجوم على الناقلة. وهذا كان موقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي أكد على أن إيران يجب أن تتحمل تبعات هجومها «الشائن» على الناقلة الإسرائيلية. وبالتالي يدور الحديث ليس حول التأكد من صحة الاتهام بل حول سبل الرد عليه والانتقام من إيران.

إسرائيل سعيدة بما حصل وخاصة أن ضحايا الهجوم هم مواطنون أجانب، ما يورط إيران دولياً ويجعل أي رد إسرائيلي مقبولاً أو مسكوتاً عنه على الأقل. وهي تتوعد إيران على لسان وزير حربها بيني غانتس الذي صرح بأن إيران تسعى لتصبح تهديداً وجودياً لإسرائيل وأن الأخيرة ستعمل على إزالة هذا التهديد، وأن لدى إسرائيل مجموعة متنوعة من الأدوات والخيارات. وأن عليها التصرف فوراً ضد التصعيد الإيراني الخطير. وبدون أدنى شك ستسعى إسرائيل للحصول على موافقة واشنطن ليكون ردها على إيران موجعاً، وحبذا لو استطاعت أن تقصف المفاعلات النووية الإيرانية مرة واحدة وتتخلص من البرنامج الإيراني برمته أو تعيقه لفترة طويلة قادمة.

وبرغم أن الولايات المتحدة وبلسان الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي أكدت على حرية إسرائيل في اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة بشأن إيران، وهذا يعني منح إسرائيل الضوء الأخضر لتنفيذ عدوان على إيران، إلا أن ما صرح به بلينكن يشير إلى أن واشنطن تنسق رداً جماعياً وشيكاً على تهديدات إيران للملاحة البحرية مع حكومات داخل المنطقة وخارجها. بمعنى أن الرد سيكون محسوباً ومنسقاً وربما ليس كما تريد إسرائيل لا من حيث الشدة ولا الأهداف. ومن الملاحظ أن تصريح ساكي تضمن عبارة أن «الخطوات الإيرانية تشكل تحدياً وتهديداً في ظل برنامج نووي غير مقيد». وهذا يدلل على رغبة الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران حول الملف النووي وأمور أخرى. وهذا ربما يعيق حرية التصرف الإسرائيلي.

على كل حال لو قامت إسرائيل بضرب إيران بأي شكل من الأشكال، فماذا سيكون الرد الإيراني؟ الإجابة على هذا التساؤل مرتبطة بحجم الاعتداء المحتمل على إيران، ولكن من شبه المؤكد أن تقوم إيران بالرد وقد يكون هذا الرد شاملاً في عدة جبهات يمكن أن تمس بإسرائيل بصورة جدية، وهنا لا يستبعد لبنان «حزب الله» وفلسطين «غزة» من هذه الإمكانية. فالمتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني محمود مسكيني هدد إسرائيل بأن الإقدام على خطوة عسكرية سيكلفها غالياً إلى حد التهديد الوجودي. ربما هذا التهديد مبالغ فيه ولكن لا تسمح إيران لنفسها بعدم الرد.

قيام إيران برد واسع على هجوم إسرائيلي محتمل قد يحمل في طياته خلطاً كبيراً للأوراق، خاصة إذا ما استخدمت «حزب الله» والفصائل الفلسطينية في غزة، لأنه يعني حرباً واسعة وقد تكون مدمرة على أطراف عديدة، وستتضرر إسرائيل بصورة جدية نتيجة لمثل هذا السيناريو، مع أن الأضرار ستكون أكبر بما لا يقاس في لبنان وغزة. وستكون له تبعات على مجمل المنطقة، من حيث موازين القوى وأيضا الأوضاع السياسية والاقتصادية. فضربة قوبة لإسرائيل ستجعلها تعيد حساباتها في المنطقة، وهذا سيؤثر طبعاً على موقفها من التسوية السياسية وحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وموقفها تجاه غزة و»حزب الله» في لبنان. وقد تقود ضربة قوية لإيران إلى تغيير موقفها بشأن الاتفاق النووي ليصبح أكثر مرونة وقبولاً لشروط إضافية تضاف إلى البنود الأصلية.

لا يبدو أن الظرف الدولي سيمنع توجيه ضربة لإيران، حتى الرد الروسي الذي عبر عنه مدير الدائرة الآسيوية في الخارجية زامير كابولوف بأنه لا يوجد أدنى دليل على تورط إيران في الهجوم، وهو عملياً الرد الوحيد الذي يشكك بمسؤولية إيران عن الهجوم، لا يظهر أنه سيغير من التوجه العام نحو معاقبة إيران وتوجيه ضربة لها. وربما بعض الدول الأوروبية لها موقف مختلف لم يعبر عنه. ولعل حضور ممثل الاتحاد الأوروبي حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي مؤشر على هذا الموقف المختلف. ولكن لن تعارض أوروبا معاقبة إيران. وسيبقى الأمر منوطاً بحجم الضربة ورد الفعل الإيراني. فهل ستكون رمزية يجري تجاوزها أم جدية ولها تداعيات خطيرة؟

(الأيام الفلسطينية) 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"