أما "الإخونج" فهي التسمية الأثيرة التي يستعملها غلاة المعارضين للإخوان المسلمين، للدلالة عليهم، وهي تحمل قدرا غير هيّن من الحقد والخصومة والغل والغيرة والرعونة أيضا.. وهي تقع في باب السخرية والتقزيم والإهانة، لجماعة سياسية دينية، شأنها شأن أي توجه أو تيار إسلامي وسطي، يحظى بقبول ملايين البشر على وجه البسيطة، ويثير في نفس معارضيه حقدا مجنونا بسبب هذا القبول والشعبية.

رغم كل ما ألصق بهذه الجماعة من تهم، ابتداء من تهم العمالة والخيانة والتعاون مع الاستعمار، وحديثا "مسك العصا من الوسط!"، وانتهاء بوصمها بالإرهاب والتطرف، مرورا بتهم الانتهازية السياسية والاستحواذ وقصر النظر والسطحية السياسية، وربما الهبل أيضا.. رغم كل هذا وكثير غيره، لم تزل هذه الجماعة تحظى بالقبول المجتمعي، ويندر أن يخوض "الإخونج!" أو من يستلهمون رؤيتهم الوسطية، انتخابات حرة نزيهة في مشارق الأرض ومغاربها ولا يفوزون بها، و"يستحوذون" على الحصة الكبرى.

ولعل هنا تحديدا مصدر الشعور بالخطر من خصومهم، إذ يعتقد خصومهم أنهم يمتلكون عصا سحرية تسحر المنتخِبين، فيسعون إليهم سعي "المضبوع" إلى مغارة الضبع، كما تقول المرويات الشعبية. والسر في هذا يعرفه الجميع ولا يريدون أن يعترفوا به، فوصف "الإخوان" ليس أكثر من تسمية للمسلم الوسطي المعتدل، البسيط، الجامع بين ورع الصوفي، وتأصيل السلفي المعتدل، وحركية الداعية، وبرنامج المصلح الاجتماعي صاحب العمل الخيري، وإن اختلفت نسب هذه المكونات في "الإخونج" هنا أو هناك، لكنها "خلطة" سهلة يسيرة، تقرب من يحمل نسبا منها إلى قلوب عباد الله المنتخِبين. لهذا تخشى دوائر صنع القرار في جل أو كل دول العالم من تغلغل هذا "الورم" الحميد في جسد الأمة، لأنه يفضي إلى زلزلتهم ويقرب الناس من مصدر الإلهام الحقيقي، والمنبع الصافي للإسلام، وهذا ما لا يريده هؤلاء.

ومهما اختلفت مع "الإخونج" أو اتخذت عليهم من مآخذ، فلن تستطيع أن تقنع التيار الوسطي للجمهور الإسلامي بعدم صوابية هؤلاء، وقربهم أكثر من أي توجه، من النبع الحقيقي الصافي لهذا الدين. ولهذا كله، كان على "الإفرنج" ومن والاهم، من مؤتمر غروزني إلى أبحاث معاهد أمريكا و"الثنك تانكنس" في دوائر صنع القرار في عواصم الكون، أن يشيطنوا هذا الترياق، الكفيل بكهربة جسد الأمة الخامل، ودب الحية فيه!

ولعل هذا الفهم الواسع يفسر لنا سر خنق وسحق ومحق الربيع العربي، وولادة الثورة المضادة التي سخرت كل شياطين الأرض وأموالهم لخنق مخرجاته وتحويله إلى "شتاء دام" وعواصف هوجاء، ولا يمكن فهم انقلاب تونس ومن قبله انقلاب مصر خارج هذا الفهم!

أما دور "الإفرنج" المفهوم والمعتبر، كونهم يشعرون أنهم أمام جماعة تشكل خطرا عليهم، ليس لأنهم "إخونج".. لا، بل لأنهم يحملون "فيروس" القضم والهضم، وهي سمة لكل من يحمل اسم "مسلم"، فهو أينما يحل يشيع منظومته الحياتية في محيطه، ويستعصي على الذوبان في الآخر، بل إنه قادر على تذويب الآخر به، بأساليب سلمية بسيطة، متقبلة اجتماعيا، وبعيدا عن أي سلوك عنفي منفّر!

ولئن كان هذا دور الإفرنج، فما بال إفرنج العرب من عربان السوء يهبون كالملسوع كلما علت راية الإسلام والحرية في أي بقعة، فحشدوا كل جنودهم وأموالهم لحرقها، لا حربها فقط؟ الجواب بسيط، تجده في منطق "ذوات الرايات الحمر" اللواتي يسوؤهن وجود الطاهرات العفيفيات فيسعين بكل من أوتين من قوة لتجنيدهن للانضواء تحت الراية إياها، لأنهن لا يطقن رؤية العفة التي تأتي هنا على شكل انتخابات وحرية وبرلمانات وديمقراطية!

ربما لا يعرف كثيرون أن النارنج هو أصل كل فواكه الحمضيات، وعليها وفيها يتم تركيب الأصناف المراد إنتاجها من برتقال إلى يوسف أفندي إلى مندلينا أو كلمنتينا، أو سواها من هذه الفواكه الجميلة، وهي شجرة شامية شهيرة، وما أكثر القرب بين النارنج و"الإخونج"، وهذا سر يعلمه دارسو الحركات الإسلامية، وهو مما يغيظ الإفرنج، ومن يدور في فلكهم، أو يخدم مصالحهم، وفهمكم كفاية، وزيادة. ولهذا لا بد من قصف عمر "الإخونج"، كي لا يقوموا بدور النارنج، المفرخ لكل أنواع الحمضيات، والثورات!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"