يبدو أن الموقف من القضية الفلسطينية في ليبيا يستنسخ مواقف طرفي النزاع والانقسام على مستوى العالم العربي، وإن لم تكن مؤشراته واضحة وضوحها في مصر أو بعض دول الخليج.

فالمتابع لمواقع التواصل الاجتماعي الليبية يرى أن هناك من يلوك ويكرر كلام بعض النخبة السياسية والإعلامية العربية التي قادها تطرفها في معاداة الآخر العربي والفلسطيني إلى الاصطفاف مع العدو الغاصب الذي تورط في أعظم جرائم الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية في الزمن المعاصر.

والمظاهرة الحاشدة التي شهدتها العاصمة طرابلس المنددة بالاعتداءات الإسرائيلية على الأحياء الفلسطينية المحيطة بالمسجد الأقصى والمتضامنة مع حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال والعدوان بشتى السبل بما في ذلك المقاومة المسلحة، كما تنص ليس فقط الشريعة الربانية بل وحتى المواثيق الدولية، تعكس اتجاه المواقف الليبية من القضية الفلسطينية، إذ لم تشهد المدن الليبية الواقعة تحت السلطة الأقرب إلى أنظمة التطبيع العربية، حشودا مماثلة ردا على الصلف الصهيوني.

الفرق هنا ليس في أن الضمير الليبي حي في الغرب وميت في الشرق، لا على الإطلاق، فهناك رفض صادق من قبل أعداد غفيرة من الليبيين في بنغازي وغيرها من مدن الشرق والجنوب للاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، والفرق أنها لا تجد المناخ المشجع على التعبير، بل وربما تتخوف من قمع المتحكمين في القرار، والأسباب تعود إلى موالاة الحاكم النافذ في الشرق الليبي للمعسكر العربي المطبع مع إسرائيل.

 

لم تتعد تصريحات القادة في مصر والسعودية والإمارات القلق والمطالبة بالتهدئة بل وإدانة الطرف المقاوم بشكل مباشر أو مبطن، فيما كانت تصريحات تميم في قطر أوردغان في تركيا ومهاتير في ماليزيا منددة بشدة للعدوان الإسرائيلي ومطالبة بموقف عربي وإسلامي ودولي قوي حيال الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

 

ونؤكد هنا على أن الإعلام العربي المطبع وصداه الليبي قد أثر في شريحة ليست بالقليلة من الليبيين فصرح بعضهم بموقفه واحتفظ كثيرون به لأنفسهم.

ولا نحتاج إلى شواهد وأدلة للقول بأن إسرائيل وأفعالها العدوانية والموقف الفلسطيني المقاوم حاضرة بقوة في الانقسام والصراع العربي الإسلامي، وأرجع إذا شئت إلى تصريحات زعماء دول النزاع والانقسام ومواقفهم فستكشف لك محورية المشروع الصهيوني في الصراع، إذ لم تتعد تصريحات القادة في مصر والسعودية والإمارات القلق والمطالبة بالتهدئة بل وإدانة الطرف المقاوم بشكل مباشر أو مبطن، فيما كانت تصريحات تميم في قطر أوردغان في تركيا ومهاتير في ماليزيا منددة بشدة للعدوان الإسرائيلي ومطالبة بموقف عربي وإسلامي ودولي قوي حيال الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

المخزي هو التعبير الصريح عن مواقف الأنظمة المطبعة مع إسرائيل عبر النخبة الفكرية والسياسية والإعلامية والذي بلغ حدا لا يقبله عقل ولا تقره الفطرة النقية، فمقاومة العدوان والرد على جرائم الاحتلال البشعة أمر لا يختلف عليه اثنان، وتستغرب أن يقف الممثل الشهير، الأمريكي الجنسية اليهودي الديانة، "داستين هوفمان" موقفا رافضا للسلوك الصهيوني المشين، بينما يبرره شيخ دين أو مثقف أو إعلامي عربي؟!

لم يجتهد الإخوة الليبيون المنددون بما تفعله "حماس" من إطلاق الصواريخ على بلدات الكيان الصهيوني كثيرا في موقفهم، والحجج والذرائع هي ذاتها التي يسوقها بعض الإعلاميين والساسة والشيوخ المصريين والخليجيين، وأزعم أنهم، كلهم أو جلهم، يدركون في قرارة أنفسهم أن هذا الموقف خاطئ، ومنافي للمنطق والفطرة، قبل أن يكون مصادم للدين والقانون، فحتى الحيوانات الضعيفة ترد بما يتاح لها من قوة لصد العدوان عليها وعلى من تعول، وأن الدفاع عن الحقوق لا تضبطه موازين التكافؤ دوما، كيف لا والقرآن يجزم: "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين".

ومما لفت انتباهي في سياق تعدد مواقف الليبيين من جرائم الصهاينة ضد الفلسطينيين هو استشهاد أنصار القذافي بمقاطع حماسية قديمة له تتحدث عن قدرة العرب على رد الاعتداءات الإسرائيلية بقوة السلاح، ونسي أو تناسى هؤلاء أن آخر موقف للعقيد هو القبول بالكيان الصهيوني بطرحه مبادرة "دولة إسراطين"، أي دول تضم الإسرائيليين والفلسطينيين، فنصف إسم الدولة مشتق من "إسرائيل" وفي ذلك اعتراف بالاحتلال واستبدال الموقف الداعي للمقاومة ورمي الإسرائيليين في البحر بالسلام والإقرار صراحة بسلطة الصهاينة على الأرض.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"