-1-
يقول المفكر خالص جلبي، في محاضرة له،؛إن وراء كل استبداد سياسي استبداد ديني. وأقول؛ إن ثمة استبدادا من نوع آخر نمارسه في حياتنا المعاصرة كثيرا ما يهدد أي علاقة بين رجل وامرأة، وبين سلطة وشعب أيضا، وهو استبداد الحب!

فباسم الحب، نخنق بعضنا بعضا، ونكتم أنفاس بعض، ونضيق الواسع، ونخسف الضيق، وباسمه نطارد "المحبوب" فنحسب عليه أنفاسه، ونرصد حركة حدقات عينيه، ونتعقب ما يخطه قلمه، أو ما تخطو قدماه، و"نفرض" عليه أتاوة حب، أو ضريبة ناتجة عن "تفسير" متعسف للحب، باعتباره "حق انتفاع حصري" بالطرف الآخر، يبيح ما يخطر وما لا يخطر بالبال من شروط، تجعل منه أشبه ما يكون بـ"القن" أو "المُسْتـَرَق" الذي لا يملك من أمره شيئا، خارج إطار أوامر وتوجيهات "سيده" أو "سيدته"، باعتباري لا أخص بالحديث ذكرا أو أنثى، أو حتى "سلطة"، فالاستبداد "لا جنس له"، وقد يمارسه هذا الطرف بكفاءة وإبداع ذاك الطرف!

ما يسوء المرء هنا، أن يتم تبرير هذا الاستبداد الاجتماعي بما يعطيه الاستبداد السياسي من "حق" قهر البشر بتغطية من الاستبداد الديني، حتى إنك لا تعود تعرف أي الاستبدادات تستبد بك، بل أيها يغذي الآخر، وأيها يؤثر فيه، فلا يعود يهمكَ من هو الفاعل الرئيس في عملية الاستبداد، ما دامت العملية في أوجها، و"شغالة" بكل كفاءة وفاعلية!

ما يسوء المرء هنا، أن يتم تبرير هذا الاستبداد الاجتماعي بما يعطيه الاستبداد السياسي من "حق" قهر البشر بتغطية من الاستبداد الديني، حتى إنك لا تعود تعرف أي الاستبدادات تستبد بك، بل أيها يغذي الآخر، وأيها يؤثر فيه، فلا يعود يهمكَ من هو الفاعل الرئيس في عملية الاستبداد


وأحسب أن أخطر أنواع الاستبداد، وأشرسها، هو الاستبداد الذي يحرمك من حاجاتك الأساسية، وفق تدرج هرم عالم النفس ماسلو، وهي نظرية نفسية وضعها العالم أبراهام ماسلو، وتناقش ترتيب حاجات الإنسان. وتتلخص هذه النظرية في الخطوات التالية: يشعر الإنسان باحتياج لأشياء معينة، وهذا الاحتياج يؤثر على سلوكه، فالحاجات غير المشبعة تسبب توترا لدى الفرد فيسعى للبحث عن إشباع هذه الاحتياجات.

وتتدرج الاحتياجات في الهرم فتبدأ بالاحتياجات الأساسية اللازمة لبقاء الفرد، ثم تتدرج في سلم يعكس مدى أهمية الاحتياجات. الحاجات غير المشبعة لمدد طويلة قد تؤدي إلى إحباط وتوتر حاد قد يسبب آلاما نفسية، ويؤدي ذلك إلى العديد من الحيل الدفاعية التي تمثل ردود فعل يحاول الفرد من خلالها أن يحمي نفسه من هذا الإحباط.

تتدرج الحاجات حسب أهميتها في شكل هرمي، ويتكون هذا الهرم من: الاحتياجات الفسيولوجية، واحتياجات الأمان، والاحتياجات الاجتماعية، والحاجة للتقدير، والحاجة لتحقيق الذات، وسأتوقف فقط عند الحاجات الأهم وهي الأولى، التي تشتمل على الاحتياجات اللازمة للحفاظ على الفرد وهي: الحاجة إلى التنفس، والطعام، والماء، وضبط التوازن، والجنس، والإخراج، والحاجة إلى النوم. ولنا أن نتخيل حينما يحرمك أي من الاستبدادات المذكورة آنفا (السياسي والديني واستبداد الحب) كل أو جل هذه الحاجات، وماذا يبقى من آدميتك!

هناك اعتقاد متزايد في أوساط شعوب الأرض قاطبة بأن السلطات الرسمية تستغل فوبيا كورونا لإحكام قبضتها على الشعوب، باسم "حب" هذه السلطات لشعوبها، وحرصها على صحتهم


-2-

نوع جديد من الاستبداد استبد بنا هذه الأيام، هو استبداد كوفيد 19 أو 20 أو 2020 (وما ستتلوها من عشرينيات). هناك اعتقاد متزايد في أوساط شعوب الأرض قاطبة بأن السلطات الرسمية تستغل فوبيا كورونا لإحكام قبضتها على الشعوب، باسم "حب" هذه السلطات لشعوبها، وحرصها على صحتهم. ويظهر هذا الشعور أكثر في أوساط شعوب العالم النامي أكثر، وإن كانت شعوب العالمين الأول والثاني ليست بمنأى عن هذا الشعور.

يقول تقرير نشرته نيويورك تايمز في آذار/ مارس 2020؛ إن ثمة قوانين جديدة بدأت تترسخ بسرعة عبر مجموعة واسعة من الأنظمة السياسية في الدول الاستبدادية، والديمقراطيات المتعثرة، بل حتى الديمقراطيات التقليدية مثل بريطانيا. ويقول التقرير؛ إن بعض الدول تستغل الجائحة لقمع المعارضة كما في الأردن، وتستذكر الصحيفة تصريحات لرئيس الوزراء الأردني السابق عمر الرزاز حين قال؛ إن حكومته "ستتعامل بحزم" مع أي شخص ينشر "الشائعات والتلفيق والأخبار الكاذبة" التي تثير الذعر. وقد أدلى بهذه التحذيرات بعد أن أعطى "قانون الدفاع" الطارئ مساحة واسعة لسلطاته.

الاستبداد الذي خلفه وباء كورونا يغذي على نحو أو آخر الاعتقاد السائد لدى الكثيرين أن الوباء عبارة عن "مؤامرة" ضد البشر، وأن الفيروس إياه نتاج "عبث" بشري


في تايلاند - مثلا - حيث فرض رئيس الوزراء برايوث تشان أوشا حظر التجوال والرقابة على وسائل الإعلام، فيما تمت مقاضاة صحفيين هناك وترهيبهم لانتقادهم رد فعل الحكومة على تفشي المرض. في أنحاء أخرى من العالم، أحيت قوانين الطوارئ الجديدة المخاوف القديمة من الأحكام العرفية، فقد مرر الكونغرس الفلبيني تشريعا يمنح الرئيس سلطات طوارئ. ويرى التقرير أن الوباء أعاد تعريف القواعد والأعراف المعمول بها بالفعل، مستشهدا بكوريا الجنوبية وسنغافورة اللتين رحب كثيرون بأنظمة المراقبة التي اتبعتها الدولتان للحد من الفيروس، فيما كانت تقابل مثل تلك الإجراءات في الوضع الطبيعي، بالانتقاد والتنديد. والحكومات التي انتقدت الصين في البداية لوضعها الملايين من مواطنيها تحت الحصار بسبب الوباء، أصبحت تحذو حذوها الآن.

الاستبداد الذي خلفه وباء كورونا يغذي على نحو أو آخر الاعتقاد السائد لدى الكثيرين أن الوباء عبارة عن "مؤامرة" ضد البشر، وأن الفيروس إياه نتاج "عبث" بشري. وأيا ما كان الأمر، فسيمر وقت طويل قبل أن نعرف تلك الحلقة المفقودة من قصة الجائحة!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"