ضمن مشاهد متناقضة ومتقاطعة يبدو لنا ذلك النموذج من المواطنة المهددة، مهددة في حاضرها ومستقبلها، ومهددة بمنظومة تستخف بعملية الاقتراض المستمر ضمن مشروعات اللقطة وليس المشروعات الحقيقية التي تصب في مصلحة المواطن وترقية معاشه وتحقيق ضروراته الأساسية. كما أنه كذلك مهدد في كل الأحوال من عدم تقدير أمنه الإنساني المتعلق بالمواطن والأمن القومي المتعلق بالوطن. ذلك أن التهديد المصيري والوجودي الذي يتعلق بتهديد مصادر المياه من جراء إقامة هذا السد الإثيوبي سيشكل في حقيقة الأمر تهديدا يمكن على قاعدة منه أن يجف الأخضر واليابس ويهلك الزرع والنسل.

هذه المشاهد التي تتقاطع تجمعها حالة من الاستخفاف من قبل هذا النظام الانقلابي الذي لا يقوم بمجمل وظائفه الأساسية في خدمة المواطن وحماية الأمن القومي للوطن.. هذه المشاهد المتقاطعة تتشكل في مشهد الاقتراض الذي يقوم به النظام من غير حساب فيصادر بذلك الحاضر والمستقبل، وفي مشهد آخر يتعلق بصفقات أسلحة تتكرر ضمن مساومات ومقايضات على المواقف التي تدعم وجود هذا النظام واستمراره، كشراء الأسلحة من رافال فرنسية وغير ذلك من أمور.

وثالث هذه المشاهد يتمثل في تلك الاحتفالات التي تأجلت مؤقتا، وهي المقررة في افتتاح العاصمة الإدارية ومبنى وزارة الدفاع (الأوكتاغون). أما المشهد الرابع فيتعلق بإعلان وزير المالية في غضون ستة أشهر بيع الديون الداخلية في مقاصة دولية.

إن تقاطع هذه المشاهد كما أكدنا يشي بمسألة تتعلق بالاستخفاف بالأمن الإنساني والأمن القومي، وخيانة ما يتعلق بهذا الأمن ضمن سياسات هوجاء يحاول النظام من كل طريق أن يقوم بها بشكل ممنهج لتخريب مصر وتدمير مقدراتها.

ومن ذلك المشهد المتعلق بتوقيع عقد توريد ثلاثين طائرة طراز رافال بقيمة 3.95 مليار يورو، وذلك من خلال القوات المسلحة المصرية وشركة "داسو افياسيون" الفرنسية، على أن يتم تمويل العقد المبرم من خلال قرض تمويلي تصل مدته كحد أدنى لعشر سنوات. وكانت مصر وفرنسا قد أبرمتا خلال عام 2015 عقدا لتوريد أربع وعشرين طائرة طراز رافال لصالح القوات الجوية المصرية. وفي إطار تبرير هذه الصفقة يقوم المتحدث العسكري بذكر أن ذلك يقع في إطار اهتمام القيادة السياسية بتطوير وتنمية قوى الدولة الشاملة، كما يشير إلى أن الطائرات طراز رافال تتميز بقدرات قتالية عالية تشمل القدرة على تنفيذ المهام بعيدة المدى، وكأنه يشير إلى ارتباط ذلك بأزمة السد الإثيوبي من طرف خفي.

ولكن الأمر ليس في تكديس السلاح ولا تراكمه، ولكن في اتخاذ قرارات مصيرية باستخدام هذه القوة، حيث يجب أن تستخدم في سياق المزج ما بين القوة المادية والعسكرية وبين الإرادة السياسية الحقيقية في التأكيد على مكانة الوطن وحماية المواطن.

وكنت قد أشرت في كتاب لي صدر في مطلع التسعينيات كيف أن كثيرا من الدول العربية أصبحت تتخذ من صفقات الأسلحة مدخلا لمقايضات ومساومات مع دول غربية، في سياق اتفاقات تجعل من تلك الدول الغربية تتغاضى عن كثير من السياسات في مقابل عقد الصفقات باعتبارها نموذجا للرشاوى السياسية والدولية لشراء المواقف وغسيل الانتهاكات على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي.

كان ذلك في كتاب "عقلية الوهن"، فلا زالت هذه العقلية تتمكن مهانة وإهانة من خلال تلك الدول والتي صارت مصر منها، في إطار شرعنة نظام انقلابي وممارساته الفاشية وانتهاكاته الكبرى في مجال حقوق الإنسان. ولا تجد دولا غربية غضاضة في تبرير تلك المواقف حينما يؤكد مثلا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه لن يجعل بيع الأسلحة لمصر مشروطا بحقوق الإنسان؛ لأنه لا يريد إضعاف قدرة القاهرة على مكافحة الإرهاب في المنطقة.

ذلك المشهد ليس بعيدا عن مشهد آخر يتعلق بإعلان البنك المركزي ارتفاع الدين الخارجي بواقع 14.7 في المئة خلال العام 2020 ليبلغ 129.19 مليار دولار، وكشف أن الدين الخارجي قصير الأجل  بلغ نحو 11.96 مليار دولار بنهاية 2020 مقابل 11.284 مليار دولار في العام السابق له.

وتظل مسألة الاقتراض الخارجي والداخلي مؤشرا على أزمة مزمنة في إدارة الاقتصاد. وكان أحد أهم مظاهر انكشاف الاقتصاد المصري مع تفشي فيروس كورونا أن لجأت الحكومة المصرية للاقتراض الخارجي على نحو كبير، حيث حصلت على قرضين من صندوق النقد الدولي؛ الأول بنحو 2.8 مليار دولار، والثاني بنحو 5.2 مليار دولار، فضلا عن طرح الحكومة سندات في السوق الدولية بنحو خمسة مليارات دولار، في الوقت الذي يتعين على مصر سداد 21.4 مليار دولار خلال عام 2021، بينها 10.2 مليار دولار في النصف الأول، و11.2 مليار دولار في النصف الثاني.

وتبدو التساؤلات الجوهرية من خلال تلك الديون التي تحاصر الاقتصاد المصري: كيف يسدد هذه المليارات بينما عليه سداد أكثر من 21 مليار دولار كالتزامات خارجية في العام الجاري؟

ويترافق مع ذلك في سياق نظرة حقوقية لا سياسية؛ الحديث عن ذلك الخراب من خلال صندوق مصر السيادي الذي يدير جميع أصول الدولة بدون رقابة قد سيطر على تلك الأصول طارحا إياها للاستثمار، وإن شئت الدقة البيع، وهو ما عبر عنه وزير المالية بقوله إن ديون مصر المحلية مؤهلة لمقاصة أوروبية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل في إطار سياسة بيع الديون المصرية، بما يعني أنه صندوق دين جديد.

وقد تحمل تلك المقاصة بيع الديون مقابل شراء أصول أو حقوق انتفاع بمشروعات حيوية في مصر، وهو ما يعني حقيقة بيع مصر تحقيقا لمقولته الشهيرة "أنا لو ينفع اتباع اتباع"، بينما يخطط النظام في ذات الوقت للقيام بالاحتفالات الكبرى في العاصمة الإدارية بما أسماه رأس ذلك النظام ولادة لجمهورية جديدة. لا نعرف ما هي تلك الولادة التي تنال من أمن مصر القومي وأمن المواطن الإنساني، بحيث تهدد جل المصادر الحيوية لاستمرار حياة الإنسان المواطن في مصر، وتصادر كل ما يتعلق بمستقبله المنظور وغير المنظور، وتصادر حق الأجيال القادمة ضمن النّيل من كل المصادر الأساسية التي تحفظ وجوده وكيانه من ماء، أو أن يظل ذلك المواطن في حالة ارتهان ضمن شبكة ديون خطيرة تغرق الوطن والمواطن معا.

ومع ذلك يحرص ذلك النظام على مشهد اللقطة في كل تلك الأمور للحديث عن إنجازات زائفة وعن نقلات مزورة، وهي في حقيقة الأمر ليست إلا محاولة من ذلك النظام لشراء ثمن وجوده واستمراره وشرعنة أحواله، في حالة ربما تؤكد على فقدان استقلال هذا الوطن وعدم مقدرته على النهوض في ظل عمليات خطيرة تهدد مستقبل البلاد والعباد.

إن عملية ارتهان مصر مائيا واستدانةً إنما تنتج لنا نموذجا من المواطنة المهددة في وجودها الفاقدة لأمنها وأمانها، ضمن عملية استدانة لا تقف في آثارها على الجيل الحالي ولكنها تمتد لأجيال أخرى بافتقاد الأمن المائي ضمن مواقف متخاذلة من بناء السد الإثيوبي، مما يهدد بفقدان مصر لحصتها المائية وتهديد مصادر الحياة فيها.

أي مواطنة تلك تقع ضمن هذا التهديد الآني والمستقبلي ثم يتحدث ذلك النظام عن حفظ الحقوق الأساسية لذلك المواطن، فإذا دفع ذلك المواطن بضرورة أن ينال حقوقه السياسية والحرية الحقيقية فإنه يصدع في وجهه: "نحن نوفر لك كل ما يتعلق بحقوق أخرى من تعليم وصحة"، وربما أن تلك الإحصاءات التي صنفت مصر في مؤشر جودة التعليم الذي اشتمل على مئة وأربعين دولة لتكون في المركز قبل الأخير؛ دالة على ذلك، فلا نال هؤلاء حقوقا سياسية أو حقوقا تأسيسية، ولكنهم فقدوها جميعها في تهديد مستمر لمواطنة مقهورة وإنسانية مهدورة.

twitter.com/Saif_abdelfatah

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"