بعد النصر الذي أحرزته حركة حماس في انتخابات عام 2006 في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما كان أحد ليتوقع أن يدعو الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إجراء أي انتخابات أخرى. 

والحقيقة أنه لولا إصرار الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش، كجزء من حملته لنشر "الديمقراطية" في المنطقة حسبما زعم، لما أقدم محمود عباس حينها على إجراء تلك الانتخابات. ولكن بدلاً من الاحتفاء بالتجربة الديمقراطية الباهرة، تمخضت الانتخابات عن نشوب حرب قبلية شعواء بين حركة فتح، التي تتحكم بالسلطة الفلسطينية وتسالم إسرائيل، وحركة حماس، التي ترفع راية المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي. 

لم يكن بإمكان فتح الإقرار بالهزيمة وقبول النتيجة بينما لم تتمكن حماس من انتزاع اعتراف دولي بها كحكومة شرعية منتخبة للشعب الفلسطيني. في نهاية المطاف، أسفرت تلك الحرب عن انقسام وفرقة وعداء. أضحت غزة تحت سيطرة حماس ولكن رهن حصار مشدد من قبل مصر وإسرائيل بينما ظلت الضفة الغربية خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، تدار حسب تفاهمات أوسلو من قبل السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها فتح. 

ولكن قبل أسابيع قليلة، وبعد مرور ما يزيد قليلاً عن خمسة عشر عاماً على الانتخابات السابقة، بدا محمود عباس عازماً على إجراء انتخابات جديدة على ثلاث مراحل وفي مستويات ثلاثة: انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني يتبعها انتخابات الرئاسة الفلسطينية، وقد يتبعها بعد ذلك إجراء انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية. كان من المفروض أن يدشن قراره ذلك، والذي جاء ثمرة جولات عديدة من محادثات المصالحة مع حماس، مرحلة جديدة في السياسة الفلسطينية، مرحلة من الوحدة ورص الصفوف في مواجهة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، والتواطؤ الدولي مع الاحتلال، والتطبيع العربي مع الكيان الصهيوني. 

تحدث المراقبون عن عدة أسباب لهذا التوجه، إلا أن كلمة واحدة تلخص الحوافز التي دفعت كلا الطرفين نحو الانتخابات، ألا إنه "المأزق". 

المأزق

في حالة عباس، نجم المأزق عن التآكل المستمر لشرعيته كشخص وكذلك لشرعية السلطة المستبدة والفاسدة التي يترأسها في رام الله، فانهالت عليه الضغوط من الأوروبيين ومن غيرهم من المانحين لتجديد تلك الشرعية، ورأوا أن الانتخابات هي السبيل إلى ذلك. 

وأما مأزق حماس فناجم أولاً عن الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أن فازت الحركة بالانتخابات السابقة، وثانياً عن الحرب التي تشنها على الدوام قوات الاحتلال الإسرائيلي وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية على كوادرها وأنصارها في الضفة الغربية، وثالثاً عن التراجع المستمر في مصادر الدعم اللوجستي والمالي والسياسي من دول الإقليم وسط موجة من التطبيع بين البلدان العربية والكيان الصهيوني. 

إلا أن عباس لم يكن يخطر بباله أن دعوته إلى إجراء الانتخابات سيكون لها وقع الزلزال على المنظمة التي يترأسها، أي حركة فتح. لربما ظن أن بإمكانه بسهولة التغلب على المنافسة التي يشكلها فصيل منشق واحد يترأسه محمد دحلان، الذي ما لبث يتخذ من الإمارات العربية المتحدة ملاذاً وسنداً منذ أن طرده محمود عباس من حركة فتح في عام 2011. 

لم يحسب عباس حساب رمز فتحاوي مثل مروان البرغوثي، الذي يقبع أسيراً في سجون الاحتلال بسبب دوره في إطلاق شرارة الانتفاضة الثانية في عام 2000،  والذي قرر تشكيل قائمة انتخابية منافسة ما لبثت أن استقطبت عدداً من الشخصيات المؤثرة داخل فتح، ناهيك عن جماهير الحركة، التي تعتبر بمثابة العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، والتي  سرعان ما بدت مهددة بانهيار وشيك. 

على الرغم من كل ما تعانيه حركة حماس من مصاعب، إلا أن الانشقاقات التي باتت تهدد كيان حركة فتح عززت فرص حماس في إنجاز انتصار كاسح فيما لو جرت الانتخابات كما هو مقرر لها، الأمر الذي لا يسعد لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة ولا السلطة الفلسطينية. ولذا كان لابد من إعلان إلغاء الانتخابات أو على الأقل تأجيلها إلى أجل غير مسمى. 

ممارسة عبثية

إلا أن عباس كان بحاجة إلى ما يبرر به نكثه للوعد الذي قطعه للشعب ونكوصه عن الاتفاق الذي أبرمه مع حماس. ولا يوجد أفضل من الإسرائيليين ليسدوا له مثل هذه الخدمة، ولا يوجد أفضل من قضية القدس المثيرة للأشجان لتكون حجته "القوية" في ذلك. 

كان الفلسطينيون يتوقعون منذ أسابيع أن يعلن عباس عن إلغاء الانتخابات، وذلك ببساطة لأن الإسرائيليين كانوا يعلنون باستمرار أنهم لن يسمحوا للمقدسيين بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية بينما كان هو يصر على أنه لن يمضي قدماً بدون أهل القدس. 

بغض النظر عن أهمية القدس بالنسبة للفلسطينيين، وليس فسحب بسبب رمزيتها، إلا أنه هل من المقبول تبرير إلغاء الانتخابات أو تأجيلها في بقية الأراضي الفلسطينية لأن الإسرائيليين سيحولون دون تمكين أهل المدينة من المشاركة في الاقتراع؟ يرى عباس وزمرته أن حجتهم دامغة، بينما يراها كثير من الفلسطينيين داحضة. 

يرى المشككون في جدوى إجراء الانتخابات – وأنا منهم – أن ما جرى يثبت صحة موقفهم ويؤيد ما ذهبوا إليه من أن التوجه نحو الانتخابات مجرد عبث. 

فأولاً، كيف يمكن للمرء أن يتوقع نجاح الديمقراطية تحت حراب الاحتلال، إذ أن الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة والقطاع بمجملهم يرفلون في القيود أو يعيشون تحت الحصار. فكيف يمكن لشعب صودرت حريته أن يمارس حرية الاختيار؟ من المعروف أن من الشروط الأساسية التي يجب توفرها في أي ممارسة ديمقراطية حقيقية هو ضمان حرية المشاركين: حرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية الحركة وحرية الاختيار. 

وثانياً، من وجهة نظر إسرائيل وما يسمى المجتمع الدولي، لن يتم الاعتراف بنتيجة الانتخابات إلا إذا فازت فيها حركة فتح. ولكن ماذا لو جرت الانتخابات وفازت بها حركة حماس كما حصل في عام 2006؟ هل سيصر المجتمع الدولي حينها، وكما فعل من قبل، على عدم الاعتراف بحماس أو التعامل معها إلا إذا قبلت بشروط الرباعية الثلاثة؟ أي الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والتخلي عن المقاومة المسلحة والتسليم بكل ما أبرمته منظمة التحرير الفلسطينية من اتفاقيات.

لو كان كذلك، فما الفائدة من تكرار هذه العملية العبثية؟ وصدق من قال: "من يجرب المجرب فعقله مخرب". 

ما هي القضية؟

ما من شك في أن بعض القادة في حركة حماس لا يقلون ارتياباً عن غيرهم من المشككين بجدوى التوجه نحو الانتخابات، ولكن قيادة الحركة ترى بأن أي حدث يحرك المياه الراكدة قد يكون أفضل للقضية من حالة الركود التي تعيشها منذ شهور إن لم يكن سنين. ثم ليس من مصلحتهم أن يكونوا هم حجة عباس في إلغاء أو تأجيل الانتخابات، التي طالما روج لها باعتبارها وسيلة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة. فلو رفضوا المشاركة، حسب تقديرهم،  لحملوا هم المسؤولية وكانوا هم الملومين. 

ولا شك أيضاً بأنه، وعلى الرغم من كل ما يصدر عنهم من تصريحات علنية ترحب بالمصالحة والتقارب، إلا أن الكثيرين من قادة حماس لا يثقون بمحمود عباس، بل لم يزل بعضهم يجزم بأنه ما كان ليجرؤ على المضي قدماً في إجراء الانتخابات طالما علم أنه قد يخسرها. فلقد تعاملوا معه من قبل وباتوا يعرفونه جيداً، ويعلمون أنه لا يختلف كثيراً عن أقرانه من الطغاة الذين يحكمون شعوب العرب من المحيط إلى الخليج. 

بغض النظر عن المآزق التي يعاني منها كل من عباس وحماس، فإن الاحتلال الإسرائيلي، وليس الانتخابات، هو القضية الحقيقية التي تحظى باهتمام أغلبية الشعب الفلسطيني. 

كان من المفروض، من منظور أولئك الذين تفاوضوا على السلام مع الكيان الصهيوني ووقعوا معه اتفاقيات أوسلو في عام 1993، أن تكون إقامة السلطة الفلسطينية الخطوة الأولى نحو إقامة الدولة الفلسطينية. إلا أن الذي حصل في الواقع هو أن تلك السلطة لم تزل منذ ولادتها مكرسة لخدمة الاحتلال، الذي لم يبق أرضاً لتقوم عليها الدولة الموعودة. 

فبينما تستمر إسرائيل وبوتيرة متصاعدة في اغتصاب الأراضي الفلسطينية وتوسيع المستوطنات اليهودية، لا تتورع السلطة الفلسطينية عن أداء دورها كجهاز أمني مكلف بمهمة التحكم بالفلسطينيين والسيطرة عليهم ومنعهم من الرد على ما ينالهم من أذى على أيدي قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين. 

يوماً بعد يوم، يدرك الفلسطينيون، وبشكل متزايد، أن أوسلو لم تكن سوى نكبة أخرى حلت بهم. ولذلك فإن التراجع عن أوسلو وحل السلطة الفلسطينية وإحياء المقاومة بكل أشكالها وبكافة الوسائل المتاحة هو ما يحتاجه الفلسطينيون من أجل توحيد صفهم ولم شعثهم وتصحيح مسارهم، وليس الانتخابات التي لا تزيد في حالة الشعوب الخاضعة للاحتلال الأجنبي عن كونها وهم وعبث وتسويف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"