قبل أيام تباهت ممثلة سورية من رتبة رباعيات الأرجل بأنّها "معبودة جماهير"، واللقب من فلم مصري بطلته شادية، بعد أن صار الممثلون "آلهة" تُعبد من دون الله، ويلقَّبون بالنجوم والكواكب، وبهم الناس تهتدي في ظلمات البر والبحر، وتُغنى أقوالهم وتُنشد، ويوقّعون للناس، أو يتخذون معهم الصور، فيطيرون من الفرح، وكأنها صكوك الغفران.


 قصد الكوكب محمد منير القدس للغناء من أجل السلام. فخطف الإعلام. أول مطرب رأيته يقلد المطربين الأمريكان مطرب لبناني كان ذاهبًا للجيش، غنى على سدّة، وتحته الجمهور في محنة وشدة، رؤوسهم على مستوى قدميه، والأمريكان يغنون كأنهم يُصرعون، أو يتكهربون، فتصيب العدوى الجمهور المسكين، وتأخذهم الجذبة والحمى والرعدة.


 الحكومات والأنظمة تصنع المشاهير على عينها، وتدّخر قرشها الأبيض ليومها الأسود، ثم تقتدي بهم في ظلمات البر والبحر. ورأينا كيف جال النظام السوري بحسناء الشاشة الفضية، على الجيش والعسكر حتى يتغذى ويقاوم الإرهاب. عرضت حكومات على ديف شبيل، وهو ممثل وستاند أب كوميدي ومطرب أمريكي مبلغ 80 مليون دولار من أجل صورة يرتدي فيها زيًا نسائيًا، فرفض، وقال: خسئتم، أنا تعملوني "مرة" يا أولاد الجزمة.


كانت العرب في الجاهلية تدرك أثر الشهرة، وتقدّر الشعراء، وكان الشعر ديوانهم، والفروسية مهوى أفئدتهم، ومكارم الأخلاق سباقهم، وعلقت قصائدهم على الكعبة بماء الذهب.


ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في امرئ القيس: "ذاك رجل مذكور في الدنيا، شريف فيها، منسيٌّ في الآخرة، خامل فيها، يجيء يوم القيامة، ومعه لواء الشعراء يتهدهد إلى النار".


 ويُروى أن الأعشى، صناجة العرب، قصد المدينة ليعتنق الإسلام، فسأله أبو سفيان بن حرب عن وجهته التي يريد؟ فقال: أريد محمدًا، فقال أبو سفيان، وكان يدرك أنه "صانع محتوى" ويخشى أن يُسلم، فتتبعه الناس، فهو الصناجة: إنه يحرّم عليك الخمر والزنا والقمار، فقال: أمّا الزنا، فقد تركني ولم أتركه.


 وكان الرجل قد شاخ، وانقطع ظهره، وذهبت فحولته.
 وأما الخمر، فقد قضيت منها وطرًا، وأما القمار فلعلّي أصيب منه خلفًا.
 عنى الرجل أنه شبع من الثلاثة، وسيسلم ويدخل في دين محمد.
 لكن أبا سفيان مفاوض وصاحب حرب وجدل.


 قال: فهل لك إلى خير (فيفتي فيفتي)؟ قال: وما هو؟ قال: بيننا وبينه هدنة، فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، يعني (مقابل هدنة سنة)، فإن ظهر (بعد ذلك) أتيته، وإن ظفرنا به كنت قد أصبت عوضًا من رحلتك. فقال: لا أبالي، فانطلق به أبو سفيان إلى منزله، وجمع إليه أصحابه. وقال: يا معشر قريش! هذا أعشى قيس، وقد علمتم شعره، ولئن وصل إلى محمد ليضرّبنّ عليكم العرب (قاطبة) بشعره. فجمعوا له مائة ناقة (حمراء)، فانصرف. فلمّا صار بناحية اليمامة ألقاه بعيره، فقتله، أما ديف شابيل، فنجا.


ولم يكن أحد يرقى مرقى الشهرة إلا وهو أهل لها، ومعلوم للقاصي والداني افتخار العرب بولادة شاعر، وقصة (شيخ مهو) يضْرب بِهِ الْمثل فِي الخسران معروفة ومقلوبة، وكذلك بيت الشعر الشهير:
 فغض الطرف إنك من نمير..


 وبقي الأمر على ميزان العدل في جدارة الشهرة، فلم يكن يشتهر إلا من استحق تاج الشهرة، حتى بلغنا عصر المذياع، ثم دخل عصر التلفزيون، فتحكّمت الأنظمة في رفع موهوبين أنصاف وأرباع وأعشار وأصفار، والحطّ من موهوبين أفذاذ، وأشهرت ناسًا مغمورين، وحطّت بمشهورين، والأمثلة كثيرة ولا تحصى، وقد ندب مصريون موت كاتب القصة المصري أحمد حافظ رجب، الذي أهملته السلطات المصرية، والمهمَلون المبدعون العلماء أكثر من الأدباء، وسعيدٌ من نجا بموهبته من القتل، والأسعد من فرَّ بجلده إلى بلاد الفرنجة الجذابة. أما الأمثلة المضادة، فنجدها في ترفيع محمد رمضان، الذي تأخذه طائرات خاصة إلى إسرائيل والإمارات رايح جاي، ونعلم كيف جلس شعبان عبد الرحيم على مقعد أم كلثوم، يكرر لحنًا رديئًا واحدًا، والناس سعيدة به وبنضاله ضد إسرائيل وببطله عمرو موسى، وهو أفضل من محمد رمضان "الميتاليك" بكثير، لأنه كان يكره إسرائيل، وإن أفسد كرهه لها بحب عمرو موسى، فهذه بتلك.

 

كان المفكر المصري المعروف عبد الوهاب المسيري في عصر الفضائيات يقول: إن الشهرة ذئب، وقد يفترس صاحبه، وإن الشهرة قد تحمي المشهور من السلطات، فالشهرة صَدَفة واقية، لكنها قد تقتله


 ثم دخلنا عصر اليوتيوب، فاستغنى الموهوبون عن منّة الحكومات العربية، وتقلص نفوذ الفضائيات العربية وأفل نجمها، وأصبح لكل شخص قناة، لا يلتزم فيها بمعايير البثِّ الحكومي أو الرسمي، ولا سدود للقول، ولا حدود للبيان والصورة، فعملت الحكومات العربية على استقطاب هؤلاء وشرائهم، وجعلت من منصاتهم منصات رديفة تجنِّد لها فرقًا من العاملين في أسلحة البث ومدفعيات الصناعة السمعية والبصرية.


 يحاول موهوبون وعلماء وأدباء منافسة أقرانهم من "اليواتبة"، فلا يجدون سبيلًا. هناك عتبة للشهرة إن حققها اليوتيوب فاز وانتشر، وكان عادل إمام قد حقق تلك العتبة بمسرحية مدرسة المشاغبين، حتى إنّه كرر نكتة "وأنا بعيط" في كثير من أفلامه الرديئة، لكن الناس كانت تضحك على "الأفكت" الأول، وأجد أيضًا على صفحات الفيس بوك مشهورين يقولون أشياء عادية، لكن تجد الناس مبهورين بها وتحظى بآلاف اللايكات، وأمس وجدت صحافيًا مشهورًا ينشر قولًا منسوبًا إلى ابن خلدون، فيه كلمات معاصرة ليست من قول ابن خلدون، وقد فشا الجهل في الناس، فهم يطيرون بالمشاهير فرحًا وحبورًا، ويصفّقون للأميين وكأنهم فلاسفة، بل إنه إذا عطسوا ظنوا أنها حِكم عطائية.


 كان المفكر المصري المعروف عبد الوهاب المسيري في عصر الفضائيات يقول: إن الشهرة ذئب، وقد يفترس صاحبه، وإن الشهرة قد تحمي المشهور من السلطات، فالشهرة صَدَفة واقية، لكنها قد تقتله، وقتل الشهرة أنواع، فقد يقتل نفسه، وقد تقتله السلطات لتمرده ورفضه الإذعان لشروطها وخدمتها، وقد يغرق في الشهرة فلا تجدي معه عمليات التنفس الصناعي.


نُسب للفنان الأمريكي أندي وارهول أنه قال في عام 1968: في المستقبل، سيكون كل شخص قادرًا على أن يكون مشهورًا، لـ 15 دقيقة فحسب. ستكون الصداقة أقصر، والزواج لساعة بقرب الحبيب!


 المشهور يتجاوز عتبة، ويصير مثل ميدياس الإغريقي، أي شيء يلمسه يتحول إلى ذهب، ولو سعل وعطس حاز آلاف الإعجابات، ثم رأينا المشهورين ينتحرون، ومنهم صبية ذاع اسمها انتحرت قبل أيام ولها مليون ونصف متابع تركتهم أيتامًا يتضورون وحشة، بعد تعليق ناقد من أحد المتابعين، وليس بعد خيانة من حبيب، وما يأتي سريعًا يذهب سريعًا. الذي تأتي به الرياح تأخذه الزوابع.


 أشهر ممثل أمريكي هو مارلون براندو، ترك الناس وعاش وحيدًا، ورفض استلام الأوسكار، وانتحر هيمنجواي وهو ملك متوّج، أما الرئيس العربي، فيحبُّ أن يكون معبودًا للجماهير بالسيف.


يعرف القارئ لوحة الموزة التي عُلقت على حائط وأكلها عابر سبيل، قيل إن ثمنها كذا ألف دولار، وذكرت وسائل الإعلام أنَّ لوحة شخبطة للفنان المعاصر ساي تومبلي، وهو من أغلى الفنانين المعاصرين، بيعت بعدة ملايين من الدولارات، فهم لا يبيعون اللوحة، وإنما يبيعون الاسم.


 نقرأ كثيرًا أن إسماعيل ياسين مات وهو جائع، وعبد السلام النابلسي مات مديونًا، فنتذكر أن ميدياس الإغريقي مات من الجوع، وكان يحوّل كل شيء يلمسه إلى ذهب 24 قيراط.


 قرأتُ أن قومًا حسدوا امرأة لأنها أول من لُقحت بلقاح الكورونا، فدخلت التاريخ، ولم أعرف مناط الحسد، وأن فلانًا من الناس فاز بملايين المشاهدات، لأن دبّا لحق به ونجا، ولم أعرف لمَ حسدوا الشخص، ولم يحسدوا الدب. قال المتنبي في الحظ، والدببة: 


هُوَ الحَظُّ حَتَّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها 
 وحَتَّى يَــــــكونَ اليومُ لليَوْمِ سَيَّدا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"