أريد أن أستذكر معكم اليوم حكاية جميلة، ربما قرأ بعضكم طرفا منها، وقد سبق لي التطرق إليها عرضا في مقال قديم، وتتعلق بالسيدة الأمريكية لاز كويفاس التي شب حريق في بيتها، واستطاعت الهرب باثنين من أطفالها من الحريق.

 

ورغم أن فريق الإطفاء نجح في إخماد الحريق خلال عشر دقائق، إلا أن النار أتت تماما على الغرفة التي كانت ترقد فيها بنتها دليمار فيرا البالغة من العمر 10 أيام فقط، وأبلغ الاطفائيون الأم بأن النار قضت على الطفلة بحيث لم يبق من جسدها شيء، (لا تتعجل وتتساءل متشككا في قواي العقلية: وما الجميل في حكاية رضيعة ماتت حرقا؟ بل عليك أن تحسن الظن بي وتتحلى بطول البال).

 

بعد سنوات طوال كانت السيدة لاز كويفاس، في حفل بمناسبة "عيد ميلاد" أحد أطفال الحي، عندما وجدت نفسها تقترب من طفلة حلوة وتقول لها إن هناك لبانا (علكة) ملتصقة بشعرها، ثم ربتت على شعر الطفلة وانتزعت منها اثنتين أو ثلاثا، وهرولت الى مختبر جنائي، وبإجراء فحص الحمض النووي (دي أن إيه) على شعر الطفلة، اتضح بما لا يدع مجالا للشك أنها ابنة لاز كويفاس.

 

نعم كانت هي بالفعل دليمار ابنة لاز التي افترض الجميع أنها ماتت حرقا قبلها ببضعة أعوام، وعندما توجهت الشرطة إلى بيت المرأة التي كانت تدعي أنها أم الطفلة، كانت قد اختفت وما زالت هاربة تاركة وراءها ثلاثة من أطفالها، اتضح لاحقا أن ثلاثتهم مختطفون من عائلات مختلفة وبذلت السلطات الأمنية جهودا استمرت سنوات حتى عثرت على ذويهم الأصليين في ولايات مختلفة.


وشيئا فشيئا اكتشفت الأم والشرطة أن الحريق الذي شب في بيت لاز كويفاس ونجم عنه افتراض أن تلك الطفلة ماتت حرقا وتفحمت كان مفتعلا، وأن من تسبب فيه هي جارتها كارولين كوريا التي زارتها في ذلك اليوم، وتسللت إلى غرفة الطفلة الرضيعة، حيث تركت نافذتها مفتوحة، ثم تسللت إلى البيت من الباب الخلفي وسرقت الطفلة ثم أشعلت النار في غرفتها لمحو آثار جريمتها، ثم كان ما كان من أمر ذلك الحفل وقيام لاز بنزع شعيرات من رأس الطفلة ولجوئها من بعد إلى الشرطة وصولا إلى استرداد ابنتها التي فارقتها وعمرها عشرة أيام، واستردتها وعمرها أكثر من 12 سنة!.


تذكَّر أن شكل الطفل الرضيع يتغير من شهر إلى آخر خلال سنته الأولى، وأن الطفلة الرضيعة دليمار فيرا كانت قد كبرت بعيدا عن أمها وتغيرت كافة ملامحها عما كانت عليه يوم اختفائها وعمرها أقل من أسبوعين، ومع هذا فإن الأم الحقيقية أحست بشيء ما يقول لها: تلك بنتي التي قالوا إن النار قضت عليها بالكامل، وتلك هي كيمياء الأمومة وسحرها العجيب.

 

وكل بنت في التحليل الأول والأخير "مشروع أُم"، وحتى اللواتي حرمتهن المقادير من الأمومة لسن محرومات من مشاعر الأمومة، ففي داخل كل امرأة سوية غدد وعروق تنبض بالحب والحنان.

 

ولو انتبهت للبنات صغيرات السن في بيتك فإنهن قليلات التقلب في السرير أثناء النوم بعكس الأولاد الذين تحسب أنهم يمارسون الكاراتيه وهم نيام، ذلك أن هناك برمجة ربانية للبنات للاستعداد للأمومة بحيث يرقد الرضيع بجوار أمه النائمة فلا تدوسه أو تؤذيه.


وفي بيتي أتولى ملاعبة عيالي وممارسة كافة أشكال العبث الذي يدخل البهجة في نفوسهم، ولم يحدث أن واحدا من عيالي الأربعة جلس قرب أمه في مائدة الطعام في سنوات عمره الأولى، بل كانوا يجلسون قربي لأتولى إطعامهم وتحويل المسألة إلى لعب ومداعبة لاستدراجهم لتناول كميات كافية من الطعام، ورغم كل هذا فإنهم كانوا وما زالوا يهربون بعواطفهم وأسرارهم وأفراحهم وأحزانهم إلى أمهم، بالتأكيد لأنها مثل كل أم تملك أشياء داخلية غير مرئية لا أملكها أنا أو غيري من الرجال!

 

أليس هذا كافيا لإقناعك بالنظر إلى أمك وأختك وزوجتك وجارتك وقريبتك ككائنات مميزة تملك طاقات هائلة للعطاء والحب والحنان؟

 

عن الشرق القطرية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"