تواجه الحركات الإسلامية في العالم العربي اليوم تحديات كبيرة في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية، وفي ظل التطورات التي تشهدها العديد من الدول العربية، والتي تتمتع فيها هذه الحركات بحضور سياسي وشعبي ولها دور فاعل في الحياة السياسية والحزبية فيها.

ورغم كل ما عانته هذه الحركات من ضغوط أو اتهامات بالإرهاب أو محاولات الاستئصال أو زج قياداتها وكوادرها في السجون، أو ما تواجهه من ضغوط سياسية وشعبية وصراعات مع القوى الأخرى أو بعض التراجع في الدعم والتأييد، فإنها لا تزال الطرف الأكثر انتشارا وشعبية على امتداد العالم العربي، ولا تزال القوة الأكثر تنظيما وفاعلية.

وسأحصر الحديث في هذا المقال على تجارب بعض الحركات الإسلامية في العالم العربي، لأنه لا يمكن الحديث عن كل هذه التجارب، فذلك يتطلب دراسات ومقالات موسعة، كما أنني لن أتحدث عن التجارب الإسلامية في العالم الإسلامي عامة، ولا سيما في الدول التي لهذه الحركات دورا هاما في الحكم والإدارة، مثل التجربة التركية أو الإيرانية أو التجارب في دول آسيا أو دول آسيا الوسطى، لأن لهذه التجارب حيثيات أخرى وتتطلب مقاربات مختلف حسب كل دولة، دون أن ننفي التداخل والتواصل بين هذه التجارب وتجارب الحركات الإسلامية في العالم العربي، بسبب التحالفات السياسية أو الانتماءات الفكرية والأيديولوجية المشتركة أو وجود تعاون وتنسيق فيما بينها.

رغم كل ما عانته هذه الحركات من ضغوط أو اتهامات بالإرهاب أو محاولات الاستئصال أو زج قياداتها وكوادرها في السجون، أو ما تواجهه من ضغوط سياسية وشعبية وصراعات مع القوى الأخرى أو بعض التراجع في الدعم والتأييد، فإنها لا تزال الطرف الأكثر انتشارا وشعبية


وهناك ثلاث تجارب إسلامية مهمة اليوم في العالم العربي ينبغي تسليط الضوء عليها، كونها تواجه تحديات مختلفة ومتغيرات إقليمية ودولية؛ الأولى حركة الإخوان المسلمين وامتداداتها وتنوعاتها في كل الدول العربية، وثانيها حزب الدعوة الإسلامية في العراق وبقية التجارب الإسلامية في هذا البد الهام والمركزي، وثالثها قوى المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، ولا سيما حزب الله وحركة حماس، حيث تواجه هاتان الحركتان تحديات سياسية وشعبية وداخلية رغم الإنجازات التي تحققت على صعيد المقاومة.

وأما حركة الجهاد الإسلامي فتجربتها مختلفة؛ كونها اتخذت قرارا بعدم المشاركة في السلطة والانتخابات في فلسطين وإعطاء الأولوية لمواجهة المقاومة. وأما الحركة الإسلامية داخل أراضي فلسطين المحتلة في العام 1948 والتي تخضع للاحتلال الإسرائيلي، فإن تجربتها مختلفة وهي تتطلب مقاربات أخرى أيضا.

وأما على صعيد حركة الإخوان المسلمين ومن خلال تنوعاتها المختلفة، سواء في الدولة الأم مصر، أو بقية الدول العربية، حيث يتنوع الحضور وتتغير الأدوار والتحديات. فمن يتابع واقع الإخوان المسلمين اليوم يلحظ ازدياد التحديات والصعوبات، وحتى في الدول التي استضافت بعض قياداتهم ومؤسساته كتركيا مثلا، والتي بدأت بإرسال رسائل إيجابية للحكومة المصرية، مما قد ينعكس على دورهم وواقعهم مستقبلا.

من يتابع واقع الإخوان المسلمين اليوم يلحظ ازدياد التحديات والصعوبات، وحتى في الدول التي استضافت بعض قياداتهم ومؤسساته كتركيا مثلا، والتي بدأت بإرسال رسائل إيجابية للحكومة المصرية


وفي كل الدول العربية فإن حركة الإخوان المسلمين تواجه تحديا مختلفا عن الدولة الأخرى، وأحيانا تتعرض لمحاولات الاستئصال والتصفية كما يجري في بعض دول الخليج ومصر، وأحيانا تواجه إغراءات السلطة والاضطرار للقبول بالتطبيع مع العدو الصهيوني، كما حصل في المغرب والسودان والبحرين. وأحيانا تواجه معارك سياسية واجتماعية كما هو الحال في تونس والجزائر والعراق ولبنان، وفي دول أخرى تخوض معارك على السلطة والوجود وتشارك في تحالفات ومحاور متغيرة، كما هو الحال في اليمن وسوريا وليبيا.

والخلاصة، فإن حركة الإخوان المسلمين تحتاج إلى مراجعة شاملة وموضوعية لكل أدائها كي تحدد نقاط الفشل والنجاح والبحث عن استراتيجيات جديدة؛ إما من أجل الحفاظ على الوجود أو تحديد آفاق المستقبل والأهداف المطلوبة وآليات العمل على ضوء المتغيرات.

وأما حزب الدعوة الإسلامية في العراق، ومعه تيارات إسلامية أخرى برزت في السنوات الأخيرة، فهذا الحزب الذي شكّل المرجعية والفكرية والتنظيمية للعديد من التجارب الإسلامية في العالم العربي، ومنها التجربة الإسلامية في لبنان والبحرين، وقد نجح في تقديم رؤية إسلامية وحدوية بالتعاون مع الإخوان المسلمين وحزب التحرير رغم بعض التباينات معهما، فإن مشاركته في السلطة والحكم في العراق بعد سقوط صدام حسين والاحتلال الأمريكي للعراق؛ كانت لها انعكاسات سلبية ونتائج كارثية، سواء للعراق وشعبه أو لجهة طبيعة الحركات الإسلامية ودورها.

لا زلنا إلى اليوم نشهد الآثار السلبية لهذه التجربة وإضاعة عشرات السنين من النضال الفكري والسياسي والحزبي، ولذا المطلوب اليوم النقاش الصريح والعلني وبصوت عال حول أسباب الفشل ووضع رؤية جديدة


ولا زلنا إلى اليوم نشهد الآثار السلبية لهذه التجربة وإضاعة عشرات السنين من النضال الفكري والسياسي والحزبي، ولذا المطلوب اليوم النقاش الصريح والعلني وبصوت عال حول أسباب الفشل ووضع رؤية جديدة ومستقبلية لدور الحركة الإسلامية في العراق، على ضوء كل المتغيرات الحاصلة داخليا وخارجيا.

وتبقى تجربتا حزب الله وحركة حماس في لبنان وفلسطين، فقد حققت هاتان التجربتان إنجازات مهمة في سبيل تحرير الأرض ومواجهة العدو الصهيوني، لكن على صعيد إدارة البلاد والهموم الاقتصادية والمعيشية والمشاركة في السلطة فإنهما تواجهان تحديات كبيرة، مع الأخذ بالاعتبار الحصار الذي تتعرض له حركة حماس في غزة وما تواجهه من أوضاع صعبة في الضفة الغربية، وكذلك ما يواجهه حزب الله في لبنان من تحديات وعقوبات وحصار، لكن لا يمكن الاكتفاء بدور المقاومة والتحرير دون الاهتمام بهموم الشعب.

هذه التجارب الإسلامية تتطلب اليوم مراجعة نقدية شاملة وموضوعية، ونحن نشهد صدور العديد من الدراسات والكتب التي تقدّم قراءة نقدية لهذه التجارب. كما شهدنا عقد بعض المؤتمرات والندوات حول هذه التجربة وآفاق المستقبل


هذه التجارب الإسلامية تتطلب اليوم مراجعة نقدية شاملة وموضوعية، ونحن نشهد صدور العديد من الدراسات والكتب التي تقدّم قراءة نقدية لهذه التجارب. كما شهدنا عقد بعض المؤتمرات والندوات حول هذه التجربة وآفاق المستقبل، وآخرها المؤتمر الذي عقده مركز الحضارة للبحوث والدراسات في إسطنبول بتاريخ 28 آذار/ مارس 2021، تحت عنوان: "المشروع الإسلامي وآفاق المرحلة الجديدة"، والذي قدّمت فيه سلسلة دراسات مهمة حول دور الإسلاميين في المرحلة المقبلة وصدرت في كتاب خاص. كما أصدر الباحث السعودي الدكتور فؤاد ابراهيم كتابين مهمين عن تجربة الإخوان المسلمين؛ الأول حول علاقة الإخوان بالسعودية، والثاني حول مستقبل الإخوان في دول الخليج. ويتضمن الكتابان معلومات مهمة واستشرافا لمستقبل الإخوان على ضوء كل التحديات التي يواجهوها اليوم.

والخلاصة أننا اليوم وفي ظل المتغيرات الدولية والإقليمية، في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة والعودة للمفاوضات بين إيران وأمريكا حول الملف النووي، والاتفاقية الاستراتيجية بين الصين وإيران، وتفعيل الدور الصيني والروسي في العالم والمنطقة، والمتغيرات في سياسات تركيا وبعض الدول العربية، ووصول الصراعات والحروب في المنطقة إلى نهايتها المسدودة.. كل ذلك يتطلب من هذه الحركات الإسلامية وقفة تأمل ومراجعة، والجرأة على ممارسة النقد والنقاش من أجل البحث في آفاق المستقبل، وإعادة تقييم كل التجربة الإسلامية ووضع استراتيجيات جديدة للمرحلة المقبلة.

فمن يجرؤ على النقد وتقديم الحساب؟

twitter.com/KassirKassem

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"