تشتهر جملة "مصر هبة النيل" عن المؤرخ هيرودوت، وأصبحت إحدى المتلازمات في الحديث عن نهر النيل ومكانته بالنسبة إلى مصر، لكن ما ذكره الرجل لم يكن سبقا منه في إدراك أهمية النيل بالنسبة إلى مصر، بل هو تلخيص عبقري لفهم المصريين على مدار آلاف السنين لأهمية وقيمة النيل.

صدر عن مكتبة الإسكندرية العدد الفصليّ من مجلة "ذاكرة مصر"، وكانت بعنوان "مصر والنهر.. الحضارة والحياة"، وهو عدد ثري للغاية في ما يتعلق بنهر النيل، بدءا من الجغرافيا، وانتهاء بالنيل في الفن المصري. وطاف العدد ببرديات قدماء المصريين عن النيل، وأحوال مصر بعد الفتح الإسلامي واهتمامهم بالنيل، ثم بدا أن آخر عهد رعاية المصريين للنيل كان مع الدولة العلوية التي حكمت مصر لقرن ونصف تقريبا.

في مقال عالم الآثار د. حسين عبد البصير، كتب أن المصريين لاحظوا "فيضان النيل وانحساره في أوقات مناسبة على نحو يمكن إفادة أرض مصر منها؛ إذ كان يفيض في الصيف والأرض في أشد الحاجة إلى الماء، يغمرها ويجدد حياتها، وكان ينحسر في وقت يناسب الزراعة، فتُبذر الحبوب، فكانت بداية اهتداء المصريين إلى فكرة التقويم". ثم يُفصّل فيقول: "وضع المصريون ما يُعرف بالتقويم النيلي الذي يبدأ ببداية الفيضان، عندما تصل المياه إلى نقطة محددة. وكذلك لاحظ المصريون القدماء اقتران الفيضان بحدوث ظاهرة سماوية، وهي ظهور نجم الشعرى اليمانية في السماء، وكانت هذه هي نقطة الانطلاق لتحديد بداية العام الجديد (..). وأحصى المصريون القدماء عدد الأيام بين كل ظهور للنجم، فوجدوها 365 يوما، وقسّموها 12 شهرا، وكذلك قسّموا السنة إلى ثلاثة فصول تحددت بناء على أحوال النيل، وهي: فصل "آخت" وهو فصل الفيضان وبذر البذور، وفصل "برت" وهو فصل النمو، وفصل "شمو" وهو فصل حصاد الزرع".

هذا الارتباط بالنيل ارتفع إلى مجال التقديس، وخصصوا عددا من الأرباب ارتبطوا بنهر النيل، وحرصوا على "طهارة ماء النهر من كل دنس، كواجب مقدس، ومن يلوث هذا الماء كان يتعرض لعقوبة انتهاكه غضب الآلهة في العالم الآخر. ويشير نص قديم إلى أن "من يلوث ماء النيل سوف يصيبه غضب الآلهة"، وأكّد المصري القديم في اعترافاته الإنكارية في العالم الآخر ما يفيد عدم منعه جريان الماء درءا للخير، كما ورد في أحد نصوص كتاب الموتى: لم أمنع الماء في موسمه، لم أقم عائقا أمام الماء المتدفق".

هذه هي مكانة النيل عند صنّاع الحضارة، بل عند ذوي الألباب عموما، اعتناء بكل مقاييسه ومواسمه، واستفادة من هذه الأوقات في ابتكار تقويم يهتدي به الناس. وهي إفادة لم تنقطع إلى يومنا، فمما كان يكرره أستاذنا الراحل والحكيم طارق البشري، أن المصريين حتى وقت قريب كانوا يحددون بعض التزاماتهم المالية وفقا لمواسم الحصاد؛ فيقولون "الزواج عند القطن" أي بعد حصاده. ثم هناك إفادة أكبر من قراءة هذه الورقات الماتعة للدكتور حسين عبد البصير، وهي ما يتعلق بمنع وتحريم تلويث ماء النيل، ومن يمر الآن على شواطئ المحروسة يجد لون النيل قد تلوث بفعل المخلفات الملقاة من المصانع والملاهي على ضفافه العامرة.

أما المختص بالتاريخ العثماني د. جمال كمال محمود، فقد كتب عن عناية الدولة العثمانية بالنيل، وقد "حازت الجسور والقنوات اهتماما كبيرا، وقد أكد قانون نامه مصر، الذي أصدره السلطان سليمان القانوني لتنظيم أحوالها، ذلك". وكانت هناك، بحسب د. جمال، جسور سلطانية تقيمها الدولة، وأخرى بلدية يقيمها الأهالي. وخصصت الروزنامة "الإدارة المالية" دفاتر للجسور، وكان شيوخ القرى وغيرهم مسؤولين عن الإشراف على الجسور وصيانتها، كما كان هناك حرس للجسور.

كذلك أشار إلى أمر هام، وهو اهتمام سكان القطر المصري باحتفالات وفاء النيل طوال العصور الإسلامية، وهي عادة بدأت منذ قدماء المصريين، ولم يمنعها أي والٍ أو خليفة طوال التاريخ الإسلامي، بل كانت تجري احتفالات رسمية وشعبية بمشاركة كبار علماء الدين، وكانت تُكتب بشارة وفاء النيل ثم تعلن على المصريين في شتى الربوع بأمر الوالي، "وقد ظل هذا المهرجان يُقام بانتظام في عصر محمد علي، وكانت تسوده الفخامة أحيانا، و التواضع أحيانا أخرى، حتى أُهمل منذ منتصف هذا القرن، ونُسي الآن تماما على المستويين الرسمي والشعبي، وانتهى الاحتفال الذي بدأ منذ فجر التاريخ، واستمر عدة آلاف من السنين".

هذه الاحتفالات فصّلتها الباحثة في الآثار الإسلامية د. رضوى زكي، فذكرت أنه "كان للخلفاء الفاطميين ومِن بعدهم السلاطين بمناسبة الاحتفال بعيد وفاء النيل موكبان؛ أولّهما لتخليق المقياس، وهو أول أيام الاحتفالات، ويُعرف بيوم التخليق، وآخرهما لفتح أو كسر الخليج. وتخليق المقياس يعني، تعطير عمود المقياس برائحة مسماة بالخَلوق، وهو عادة الزعفران الذي يُمسح به عند وفاء النيل. وقد جرت العادة منذ العصر الفاطمي ألا يُنادى على الوفاء حتى تصدر الأوامر إلى قراء الحضرة والمتصدرين في الجوامع بالقاهرة بالمبيت في جامع المقياس في هذه الليلة، لختم القرآن هناك، ومد الأسمطة التي تحمل أشهى الأطعمة، وتوقد الشموع حتى الصباح (..) ويخلِّق السلطان بنفسه المقياس، باستخدام الزعفران المذاب في ماء الورد الموضوع في إناء فضي، ويسلم هذا الإناء إلى شيخ أو قاضي المقياس، ثم يلقي هذا القاضي المسؤول عن المقياس بنفسه وبثيابه الكاملة في الماء فيدهن عمود المقياس بتلك الخلطة، ويخلِّق المقياس".

في سنوات التيه التي يحياها المصريون منذ فقدوا الكفاءات وتولى أهلُ ولاء الحاكم لمقاليد السلطة، تأثر النيل بالتلوث وعدم الصيانة، ثم طرأت أزمة سد النهضة التي تضع تاريخ وحاضر ومستقبل المصريين على المحك. وبرعونة كبيرة تم التوقيع على الاتفاق الثلاثي الذي منح الضوء الأخضر لإفقار المصريين مائيا فوق فقرهم، وظهرت دبلوماسية جديدة من طبيب الفلاسفة، الذي طالب خصمه بالقَسَم بألا يضر حقوق المصريين وماءهم، في ابتداع جديد من ابتداعاته التي لا تنتهي ولن تنتهي، فأصبح المصريون بانتظار الأيام وكلهم وَجَل على مستقبلهم، بعدما صانوا النيل على مدى آلاف السنين، ثم بات مهدَّدا في غفلة من الزمن.

twitter.com/sharifayman86

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"