أقيمت خلال الأيام الأخيرة فعاليات عديدة في إسطنبول والعاصمة أنقرة ومدن تركية أخرى، لإحياء الذكرى العاشرة لرحيل رئيس الوزراء التركي الأسبق نجم الدين أربكان، رحمه الله، في ظل تنافس شديد تخوضه أحزاب سياسية من أجل كسب قلوب محبيه للحصول على أصواتهم في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة.

حزب العدالة والتنمية خرج من رحم الحركة السياسية التي أسسها أربكان وقادها حتى آخر أيام حياته. وبعد انشقاق رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان ورفاقه عن الحركة، أصبح كثير من محبي أربكان يؤيدون أردوغان وحزبه. إلا أن هناك نسبة قليلة ما زالت متمسكة بتلك الحركة، وتصوِّت في الانتخابات لحزب السعادة الذي يدعي بأنه هو الوحيد الذي يمثلها. وإن كانت نسبة هؤلاء تتراوح ما بين 2 و4 في المائة، فإنها في بعض الأحيان تكفي لقلب المعادلة السياسية، الأمر الذي يجعل التحالفات الانتخابية تتسابق لاستمالتهم كي يصوتوا لصالحها في الانتخابات.

إن كانت نسبة هؤلاء تتراوح ما بين 2 و4 في المائة، فإنها في بعض الأحيان تكفي لقلب المعادلة السياسية، الأمر الذي يجعل التحالفات الانتخابية تتسابق لاستمالتهم كي يصوتوا لصالحها في الانتخابات


فاتح أربكان، رئيس حزب "الرفاه من جديد" ونجل الراحل، أقام فعالية في جامع آيا صوفيا الكبير لإحياء ذكرى والده، وشارك في الفعالية رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب، المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية، في غياب تلاميذ أربكان ورفاق دربه من قادة حزب السعادة الذي نظَّم فعالية أخرى شارك فيها رؤساء أحزاب المعارضة.

الفعالية التي أقامها حزب السعادة لإحياء ذكرى رحيل أربكان تحوَّلت إلى مناسبة سياسية بامتياز، شارك فيها رئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو، ورئيس حزب الديمقرطية والتقدم علي باباجان، بالإضافة إلى رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، والرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي مدحت سانجار، في غياب شخصيات تمثل أسرة أربكان.

الرأي العام التركي لم يتفاجأ بمشاركة داود أوغلو وباباجان في فعالية ذكرى رحيل أربكان، لأنهما لم يكونا بعيدين عن الخط السياسي الذي كان يمثله الراحل، إلا أن مشاركة كليتشدار أوغلو وسانجار فيها أثارت استغرابا وعلامات استفهام حول أهدافهما؛ لأن الأول رئيس حزب حارب أربكان في حياته ورآه خطرا على النظام العلماني، كما أن الثاني رئيس حزب يوالي منظمة "بي كا كا" الانفصالية الإرهابية. 

الرأي العام التركي لم يتفاجأ بمشاركة داود أوغلو وباباجان في فعالية ذكرى رحيل أربكان، لأنهما لم يكونا بعيدين عن الخط السياسي الذي كان يمثله الراحل، إلا أن مشاركة كليتشدار أوغلو وسانجار فيها أثارت استغرابا وعلامات استفهام حول أهدافهما


كليتشدار أوغلو ألقى في الفعالية كلمة أثنى فيها على أربكان. وكان العلمانيون المتطرفون من أنصار حزب الشعب الجمهوري آذوا الراحل كثيرا في حياته، وحاكموه وسجنوه، وشتموه وأساؤوا إليه، ووصفوه بأقذر الأوصاف، كما منعوه من ممارسة العمل السياسي لسنوات. وكان على رئيس حزب الشعب الجمهوري أن يعتذر أولا عن ذاك الأذى، إن كان صادقا في ثنائه على أربكان، ويندد بما تعرض له الراحل في حياته السياسية من مضايقات، إلا أن كليتشدار أوغلو لم يفعل ذلك، ولم يستنكر انقلاب 28 شباط/ فبراير 1997 الذي استهدف أربكان وأسقط الحكومة الائتلافية التي كان يرأسها.

رئيسة فرع إسطنبول لحزب الشعب الجمهوري، جانان كافتانجي أوغلو، سبق أن قالت في تغريدة يعود تاريخها إلى مارس / آذار 2011، إنها قامت بالتصفير مع زملائها للاحتجاج على مشاركة أربكان في حفل تخرجهم من الجامعة عام 1995، مضيفة أنها لا تتردد في القيام بذات الاحتجاج لو كان الحدث تكرر ذاك اليوم، في إشارة إلى أنها غير نادمة على ما قامت به قبل سنوات، وأن مشاعره تجاه أربكان لم تتغير.

هل تغيرت مشاعر كافتانجي أوغلو خلال السنوات العشر الأخيرة لتتحول من ألد أعداء أربكان إلى محبي الراحل؟ وهل المشاعر التي تعبر عنها اليوم للثناء على أربكان صادقة؟ لا ندري ما يدور في قلبها، إلا أن المؤكد أن حزب الشعب الجمهوري يبذل قصارى جهده ليبقي حزب السعادة معه في التحالف الانتخابي؛ لأن تخلي حزب السعادة عن التحالف مع حزب الشعب الجمهوري سيحرج حليفه الآخر، وهو الحزب الجيد برئاسة ميرال أكشنار، وقد يدفع هذا الأخير أيضا إلى الخروج من التحالف، ليبقى حزب الشعب الجمهوري فيه وحده مع حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للمنظمة الإرهابية.

الهدف الأول لحزب الشعب الجمهوري هو إسقاط رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان. وهذا ما يدفعه إلى التحالف مع تلاميذ أربكان، والثناء عليه، ومحاولة استغلال إرثه السياسي لضرب حزب العدالة والتنمية. إلا أن هذا الأخير هو أيضا يسعى إلى استمالة حزب السعادة ومحبي أربكان، سواء على مستوى القادة أو الناخبين، من خلال لقاءات مع القادة، كزيارة أردوغان لأوغوز خان أصيل تورك، أو اختيار شخصيات نشأت في مدرسة أربكان لتولي مناصب قيادية، كتعيين عثمان نوري كارا تيبه رئيسا جديدا لفرع حزب العدالة والتنمية في محافظة إسطنبول.

twitter.com/ismail_yasa

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"