عزيزي القارئ.. هل تعرف "متلازمة الوسادة الخالية"، أو متلازمة "روبين هود العربي"؟ هي متلازمة غير معروفة في معاجم الأمراض وقواميس الأسقام النفسية، هي تباريح ألم الضمير ولواعج التبكيت، ووخائز الاستغفار، وتنهدات السهاد والحرمان من النوم على نيران الذنوب.


نشرت على صفحتي قصصا مترجمة، وكل ما نشرت من قصص عالمية لجابرييل عاسيا ماركيز وخورخي لويس بورخيس وغيرهم؛ هي قصص نسبت إليهم ظلما وعدوانا، وهم منها أبرياء، فأرجو غفران القارئ الكريم وعفوه، والبخيل لن يغفر. ويستطيع القارئ الذي خُدع، ودفعَ لايكا من دم قلبه وثمرة فؤاده أن يستعيده من خزنة اللايكات، أو أن يقبل بالديّة والقصاص، ويقدر أن يطعنني بوجه غاضب، وسنقبلها كقبلة متأثم.

كان حمّاد عجرد وخلف الأحمر ينحلان الشعر وينسبانه إلى الشعراء الجاهليين، وكان ابن المقفع ينسب قصصا إلى الحيوانات، وقد أمرتني نفسي الأمّارة بالسوء أن اقترف تلك القصص، وآن آوان اقتراف فضيلة الاعتراف بالذنب.

أما سبب إقدامي على تلك المأثمة، فهو أنَّ المترجم خائن، وزلت بي يراعتي إلى خيانة كبيرة.

سبب إقدامي على تلك المأثمة، فهو أنَّ المترجم خائن، وزلت بي يراعتي إلى خيانة كبيرة


ملاحظة: سأستمر في نشر قصص عالمية لكتاب أمثال عزيز نسين وفاسيلي تسونيف وياروسلاف هاشيك، على صفحتي، متحملا آلام "الوسادة الخالية"، وأنوي نشرها في مجموعة قصصية قد يكون عنوانها: قصص مترجمة لا أصل لها، أو تأليف قصص عالمية، أو قصص موضوعة. أما سبب كتابتي قصصا منحولة فهو أنَّ الفساد قد عمَّ وطمَّ يا عم، ونحن في نهاية التاريخ. وكانت أسبابها سياسية في بداية أمري، كي أهرب من مقص الرقيب، وهو مقصُّ رقبة وليس مقصّ جمل وعبارات، ثم أني استعذبت الأمر ووجدت راحة في منفى الترجمة.

في فيلم البطل لداستن هوفمان، ويلعب دور بيرني، ينقذ ركاب طائرة محطمة، ويسجن بتهمة غرامات متراكمة، فيجد في التلفزيون أنه قد اشتهر، وأنَّ رجلا اسمه جون قد ادَّعى أنه هو الذي أنقذ ركاب الطائرة فصار بطلا أمريكيا. يرضى بيرني بتعويض مالي من جون ويبارك له في البطولة.

ملفق هذه النصوص لم يكن يريد سوى التنفيس ورؤية الناس يعجبون بعمله حتى لو وجد عليها توقيعا آخر، ربّما كي يقنع نفسه بأنّ بعض النحاس أغلى من الذهب. كان مسلمة بن عبد الملك وهو سيف الله المسلول الثاني، لكثرة معاركه وفتوحاته، يدعو ربه ويقول: اللهم احشرني مع صاحب النفق، وصاحب النفق فدائي مسلم فتح ثغرة في سور الروم، ولم يرد من وراء بطولته جزاء سوى من الله.

عندما تستعمر البلاد، تستلب فيها العقول والقلوب، بثقافة المتغلب، تنسب حتى أفضل الإبداعات إلى المستعمر


عندما تستعمر البلاد، تستلب فيها العقول والقلوب، بثقافة المتغلب، تنسب حتى أفضل الإبداعات إلى المستعمر. وقد سبقني الكاتب الساخر "أحمد رجب" في التهكم من تيارات العبث واللامعقول التي استشرت في الستينيات؛ فادَّعي أنه ألف رواية أسماها "الهواء الأسود"، وهي تلفيقة عجيبة، ليس لها متن أو رأس أو نهاية، ثم أرسلها إلى مجلة "الكواكب" فاطلع على الرواية عدد من كبار النقاد المصريين، مثل سعد أردش وعبد الفتاح البارودي والدكتور عبد القادر القط والأستاذ رجاء النقاش، فقرظّوها وأثنوا عليها، وكانت المفاجأة المدويّة أو فضيحة الموسم كما أسمتها "مجلة الكواكب"؛ حين أعلن أحمد رجب أنّه مؤلف هذه الرواية، متّهما النقاد الكبار بالغفلة، وعقدة الخواجة، وهو ما دعا العقاد إلى الشماتة في هؤلاء النقاد.

الرواية والشعر الحديث يزوّرَان ويخدعان، أما القصة فيصعب خداع القارئ بها وتزوير نصها، إلا إذا كان محترفا بارعا مثلي، وما زوّرت إلا في نسبة النص، فالنص مقبول، وقد يراه القارئ حسنا، أو جيدا، وقد أحسنت تزويره.

الرواية والشعر الحديث يزوّرَان ويخدعان، أما القصة فيصعب خداع القارئ وتزوير نصها، إلا إذا كان محترفا بارعا مثلي، وما زوّرت إلا في نسبة النص، فالنص مقبول، وقد يراه القارئ حسنا، أو جيدا، وقد أحسنت تزويره


كنت أكتب قصصا وأنسبها لكتاب أعاجم، فلهم حصانة من الاعتقال، وأضع على أقلامهم قصصا. وأخذت مرة مخطوطة قصص مترجمة إلى الشام لنيل الموافقة على الطباعة، ولم يكن بيدي غيرها، وعلقت في الحاجز، وكان الأمن قد استنفر يومها ضد مجموعات فلسطينية، فقلب عنصر الأمن الكتاب ولم تعجبه بعض العناوين فدافعت عنها، وهي قصص مترجمة، فاستشار نفسه ثم أرسلني ونجوت.

يقول الله تعالى: "لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ".. بعض هذه القصص مما أحب، وأن تكون لي، وقد اخترت هذه القصة لصلتها بالتزوير والنحل.

كان الواضعون يضعون أحاديث على لسان النبي عليه الصلاة والسلام ويتبوؤون مقاعدهم من النار، وقد أضع القصص وأحب أن أتبوأ معقدا من جنّة الدنيا.

أرسلت بعض نصوصي المنتحلة إلى أصدقاء كتاب، يعشقون ماركيز، فأثنوا على بدائع ماركيز ولم يرتابوا في الأمر. أحب القصص التي وضعتها على لسان أو. هنري، ودينو بوتزاتي، وصباح الدين علي؛ وهو شاعر تركي لم يكتب قصصا قط، لكني نسبت إليه قصة وحيدة.

قصة ماركيز: الدكتور الجرّاح

اتصلت عائلة مونتانا ببلدياتهم ألبرتو وتوسلت إليه أن يزور ابنهم أركاديو، ووصفت له عنوانه في ملجأ اللاجئين، وأخبروه بأنه لا يرد على الاتصالات وهم يخشون أن يكون قد أصابه سوء.

ركب ألبرتو دراجته وقصد العنوان في قلب نيويورك، واستدل على العنوان ولم يكن يجهله، وقف أمام المبنى، وعيّن غرفة الدكتور أركاديو، حاول أن يتصل به هاتفيا لكنه لم يجب، فقصد جرس غرفته وكبسه، وطال انتظاره دهرا لكنه لم ييأس، بعد ربع ساعة، جاءه صوت يشبه الأنين من قاع بئر، إنه صوت الدكتور أركاديو قال: من؟

قال ألبرتو: صاحبك ذو الأرواح السبع.

انتظر الدكتور وقتا، ثم قال: اصعد.

دخل ألبرتو إلى غرفة الدكتور في الطابق الخامس، كان جالسا أمام النافذة الشاحبة في المساء، ينظر إلى صف من الغربان، وعلى النضد بجانبه هرم من طحين الشّم، جلس على السرير، فاستدار أركاديو وابتسم من غير كلمة ترحيب، كان وجهه ما يزال كحاله منقوشا بآثار الأظافر كأنه خاض معارك مع الهررة البرية.

كان أركاديو يحبُّ لقب الدكتور، كان قد أجرى مئات العمليات الجراحية، بأدوات الجراحين، ملاقط ومقصات وصمغة، يبدّل الصور على جوازات السفر فيجعل مواطنيه من العالم الثالث مواطنين من الدرجة الأولى مقابل مائة دولار، ثم خطر له أن يجري عملية جراحيّة لنفسه، فوضع صورته على جواز سفر مسروق، وعند عبور الحدود وقع في المصيدة؛ ليس لأنه لم يحسن التزوّير بل لأن صاحب الجواز المسروق كان مطلوبا.

كان أركاديو يمسح أنفه فسأله صاحبه القديم: هل أنت مزكوم؟

قال: لا.

كان يبكي من أنفه، لجفاف دموعه، قال وهو يضع رأسه على كتف صاحبه القديم:

زوّرت آلاف جوازات السفر لكني عجزت عن تزوير حزني يا ألبرتو.

twitter.com/OmarImaromar

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"