بعد مضي ما يزيد على الشهر منذ دخول بايدن إلى البيت الأبيض، التساؤلات والتكهنات آخذة في التزايد حول نية الإدارة الأمريكية تجاه إعادة التفاوض مع إيران حول برنامجها النووي. خلال حملته الانتخابية أكد بايدن أن الولايات المتحدة عائدة إلى الاتفاق ولكن "بشروط أفضل"، واستجابة لهذا الموقف أخذت طهران في رفع السقف التفاوضي دافعة باتجاه العودة إلى الاتفاق كما هو، ولكن حتى اللحظة ما زالت الصورة ضبابية حول مستقبل الاتفاق.


بايدن من ناحيته قام بعدة أمور بهدف تجهيز الساحة أمام التفاوض مع إيران، مثل رفع الحوثيين من قائمة الإرهاب، التباحث مع مسؤولي إدارته حول طريقة لتخفيف أثر العقوبات دون رفعها، إعلان قبول دعوة الأوروبيين لاجتماعات في إطار مجموعة 5+1، إبلاغ مجلس الأمن إلغاء قرار إعادة فرض العقوبات الأممية أحادياً على طهران. هذه الإجراءات لا يبدو أنها أدت إلى ارتياح إيراني، فمن ناحيتها خلال الشهر الأخير، أعلنت طهران رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20%، وأوقفت زيارات التفتيش المفاجئة من قبل وكالة الطاقة الذرية، وصرحت بكل وضوح بأنها لا تعتقد أن ما قامت به إدارة بايدن حتى الآن يمثل تراجعا عن سياسة الضغوط القصوى على طهران.


إذن، ماذا يمكننا أن نشهد خلال الفترة القادمة؟ من الناحية الأمريكية، هناك أولويات تسبق الدخول في مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع طهران، أولا تنهمك الإدارة الأمريكية في التخلص من تركة ترامب في السياسة الخارجية، وخاصة في إطار إعادة بناء العلاقات مع الحلفاء، وعلى رأسهم الأوروبيون الشركاء في الاتفاق النووي، هذه العلاقات تأثرت سلبا بالخطوات الأحادية الأمريكية خلال فترة ترامب والاستعداء المباشر في إطار الناتو والاجتماعات الثنائية، دون وجود تناغم بين المواقف الأوروبية والأمريكية. في سياق الاتفاق النووي يصعب تخيل نجاح أي اتفاق جديد، ومن الناحية الأخرى فإن وزارة الخارجية الأمريكية ما زالت تعاني من آثار سياسات وإهمال إدارة ترامب، ما أفرز فراغا في مناصب رئيسية في الوزارة، ونزيفا كبيرا في الموارد البشرية، ومن ثم يمضي وزير الخارجية الأمريكي بلينكين جزءا غير يسير من وقته في ترتيب الوضع الداخلي هناك، وأخيرا يسعى فريق بايدن إلى قراءة المشهد بشكل أشمل وتكوين استراتيجيات واضحة، بحيث لا يقع في فخ المفاوض الإيراني الذي سبق له النجاح في جر الولايات المتحدة إلى الخانة التي يريد.


من الناحية الإيرانية، يضيق الخناق أكثر وأكثر بسبب العقوبات الاقتصادية، كما أن اغتيال كل من سليماني وفخري زادة مثل ضربات قاصمة للظهر للمشروع الإيراني الخارجي والبرنامج النووي، وعلى الرغم من ذلك ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، ستحاول الأطراف الأكثر تشددا هناك رسم مشهد يرتفع فيه السقف التفاوضي لصالح طهران. المختلف هذه المرة هو أن وضع طهران اقتصاديا حرج جدا، فالعقوبات نجحت في تقييد الاقتصاد الإيراني من حيث بيع النفط وحرية حركة الأموال، الأمر الآخر هو أن الإدارة في واشنطن أكثر صقورية من إدارة أوباما، وزير الخارجية مثلا من أنصار إدراج مسألة الصواريخ البالستية في أي اتفاق قادم، هذا يعني أن الاتفاق هذه المرة لن يكون كما يرغب الإيرانيون.


وأخيرا، أين يقف الخليج من كل ما يجري؟ هناك طرفان في الخليج، الأول كان داعما لسياسات ترامب تجاه إيران ويطالب اليوم إما بعدم العودة للاتفاق، أو على الأقل تضمينه بنودا تعالج قلق هذه الدول من النشاط الإيراني المتوغل في المنطقة. الطرف الآخر يبدي ارتياحا عاما لمبدأ الاتفاق مع جهود وساطة هنا وهناك.

لا شك أن هناك تخوفات مشروعة في المنطقة من عودة الثقة والقدرة إلى طهران في نشاطها الإقليمي، ولكن السيناريو الأسوأ بلا شك هو وصول التوتر بين إيران وواشنطن إلى مواجهة عسكرية، ومن ثم تتحقق المصلحة الخليجية من خلال اتفاق جديد يأخذ في الاعتبار السلوك الإيراني في المنطقة، ويوفر ضمانات لمستقبل العلاقات الإيرانية مع الدول الخليجية والعربية المختلفة.

 

(الشرق القطرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"