الأزمة التي تعيشها تونس هذه الأيام، أزمة حكم بامتياز. فبعد أن عانت البلاد لفترة طويلة من هيمنة الرئيس القاهر والمهيمن على دواليب الدولة، ها هي تواجه الصعوبات الناجمة عن توزيع الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث، بعد أن اختار واضعو دستور 2014 تقليص سلطة رئيس الدولة، مقابل تمكين رئيس الحكومة المفوض من قبل البرلمان من صلاحيات أوسع، رغم أنه معين وليس منتخبا بشكل مباشر من الشعب.

ليست المرة الأولى التي تبرز فيها صعوبة بناء ثقة مستمرة بين رأسي السلطة التنفيذية. ظهر ذلك في عهد الترويكا حين اعترض الرئيس المنصف المرزوقي على عدد من القرارات التي أخذها كل من حمادي الجبالي ثم علي العريض اللذين تعاقبا على رئاسة الحكومة في عهد الترويكا. وقد اضطر المرزوقي أن يثبت في حالات عديدة أن دوره أساسي في السلطة، وأنه ليس مجرد صورة. تكفي الإشارة في هذا السياق إلى ملف تسليم المسؤول الليبي السابق البغدادي المحمودي إلى سلطات طرابلس، وهو قرار رفضه المرزوقي واستنكره، في حين دافع عنه الجبالي ونفذه بدون موافقة رئيس الدولة. كانت تلك الحادثة وجها من وجوه الصراع في ذلك الوقت بين حركة النهضة من جهة، وبين حزب المؤتمر من أجل الجمهورية من جهة ثانية، يومها قيل للمرزوقي "اقرأ جيدا نص الدستور"، وأجابهم "اقرؤوه أنتم جيدا"..

بعد ذلك تكرر نفس الإشكال، ولكن في سياق أكثر درامية بين الرئيس الباجي قايد السبسي و"ابنه الروحي" يوسف الشاهد؛ الذي أخرجه من عدم وجعل منه رئيسا للحكومة. مع ذلك تمرد يوسف، وقرر أن يتمتع بكامل صلاحياته الدستورية. ورغم غضب الباجي إلا أنه كتم غيظه وتجنب الاصطدام بالدستور الذي لم يكن راضيا عنه، واعتبره في جلساته الخاصة دستورا لا يوفر الاستقرار ويحول دون تقوية وحدة السلطة.

عاد نفس الخلاف اليوم ليهدد بإصابة مؤسسات الدولة بالشلل التام، وقد ينتقل الصراع من البرلمان إلى الشارع، وهو ما من شأنه أن يعرض البلاد إلى مخاطر كبرى، ويفتح الطريق نحو الفوضى والمساس بالسلم الأهلي


عاد نفس الخلاف اليوم ليهدد بإصابة مؤسسات الدولة بالشلل التام، وقد ينتقل الصراع من البرلمان إلى الشارع، وهو ما من شأنه أن يعرض البلاد إلى مخاطر كبرى، ويفتح الطريق نحو الفوضى والمساس بالسلم الأهلي، فحركة النهضة مصرة على تنظيم مسيرتها يوم 27 من الشهر الجاري.

ومما عمق الفجوة وغذا نار الخلاف أن قيس سعيد أستاذ سابق مختص في القانون الدستوري، ومتمسك بظاهر النص وكلماته وحروفه وفواصله، مما جعله في خلاف مفتوح مع أغلب زملائه السابقين في الجامعة، بمن فيهم أساتذته الذين لهم آراء مخالفة لقراءته. وهو يعتقد أنه لو تراجع عن موقفه، وقبل بحكومة فرضت عليه فرضا ويعتقد جازما بأن من بين وزرائها "فاسدين"، فإنه سيكون بذلك قد خان العهد الذي أعطاه للشعب.

أما المخالفون له في الرأي والموقف، فيؤكدون من جهتهم أن ما ذهب إليه سعيد مخالف للدستور، وأن الأصل في الأشياء هو أن يستقبل الوزراء ويمكنهم من أداء اليمين، وبعد ذلك يقع التدقيق في التهم الافتراضية الموجهة إليهم.

يعتقد الرئيس التونسي بأنه لولا راشد الغنوشي لما تمسك هشام المشيشي بموقفه، ولقبل منذ البداية بتعديل تركيبة الحكومة، أو أن يقدم استقالته وفق ما طلبه منه قبل أسبوعين تقريبا. لو فعلها المشيشي لعادت الكرة من جديد إلى سعيد الذي سيعين رئيس حكومة جديد يقبل بأن يلعب دور وزير أول، وأن تكون الكلمة الأخيرة في الحكومة القادمة لرئيس الدولة. بذلك يصبح النظام السياسي رئاسيا وليس برلمانيا معدلا كما هو منصوص عليه في الدستور.

يعتقد الرئيس التونسي بأنه لولا راشد الغنوشي لما تمسك هشام المشيشي بموقفه، ولقبل منذ البداية بتعديل تركيبة الحكومة، أو أن يقدم استقالته وفق ما طلبه منه قبل أسبوعين تقريبا


هذا السيناريو لن تقبله الأحزاب المساندة للمشيشي الذي أكد أنه لن يستقيل، ولن يتخلى عن صلاحياته التي منحها إياه الدستور. وإذا كان هدف رئيس الدولة سحب البساط من الأغلبية البرلمانية من خلال سعيه نحو إسقاط الحكومة الحالية، فإن الغنوشي لن يسمح بذلك، وسيواصل بطرق متعددة استثمار الفرصة الحالية التي توفرت لأنصاره وحلفائه عندما قرر المشيشي التحرر من فلك سعيد والمحيطين به، فأعاد الكرة بذلك لحركة النهضة بعد أن فقدتها عندما ضيعت فرصة حكومة الحبيب الجملي.

يستند الجميع على فصول من الدستور، وهو ما جعل المعركة الحالية هي معركة سياسية تدار تحت سقف الدستور وباسمه. بذلك تكون تونس الدولة العربية الوحيدة التي تخضع صراعاتها السياسية لوثيقة صاغها الجميع في سنة 2014 بشكل توافقي، قبل أن يختلفوا حولها لتبرير نزاعاتهم القوية حول من يحكم وليس كيف يحكم. لهذا تعتبر الديمقراطية اختيارا صعبا بعد ثورة غيرت قواعد اللعبة، وحالت دون أن يحتكر طرف ما إدارة الشأن العام.

لكن رغم الأهمية الرمزية لهذه التجربة غير أنها بقيت هشة، ويمكن أن تكون عرضة لانهيار مأساوي يصعب التحكم في تداعياته. فالسياسيون يتخاصمون في وقت تشهد فيه البلاد انهيارا اقتصاديا متسارعا، وإذا لم يتم تدارك الأوضاع في وقت قريب، قد يجد الجميع أنفسهم بلا سلطة ولا جمهور، وعندها لن ينفعهم الدستور ولا تأويلاته. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"