الانتخابات التي يجري التجهيز لها في الأراضي الفلسطينية ليست سوى ضرب من العبث وتضييع الوقت، ومن يظن أنها ستنتهي إلى إنهاء الانقسام الداخلي فهو واهم بكل تأكيد، حيث إن انتخابات العام 2006 التي شهدت مشاركة حماس الكارثية، كانت السبب وراء السنوات العجاف الخمسة عشر الماضية، وهذه الانتخابات الجديدة ليست سوى محاولة للهروب إلى الأمام ليس أكثر.

 

الانتخابات -أي انتخابات- هي أحد أهم أدوات وإفرازات النظام الديمقراطي، وهذا النظام يحتاج أن ينجح، فلا بد له من عاملين: الأول وجود دولة مكتملة الأركان وذات مؤسسات، والثاني وجود رفاهية للشعب في هذه الدولة بما يجعله قادرا على أن يمارس العمل الديمقراطي بالانتماء للأحزاب والاختيار بينها ودراسة برامجها، ومن ثم التصويت لمن يراه الأنسب، وهذان العاملان لا يتوفران اليوم لدى الفلسطينيين، إذ لدينا ثورة وليس دولة، وعندما تنتصر هذه الثورة وتنفض عن الشعب الفلسطيني غبار الاحتلال ويتم تأسيس الدولة، تبدأ العملية الديمقراطية والانتخابات وغير ذلك مما لا تقوم له قائمة إلا في ظل دولة.

 

الفلسطينيون اليوم يعيشون اليوم تحت احتلال أو حصار، أو جزء كبير منهم لاجئون في المنافي وهؤلاء لا يجوز استدعاؤهم لانتخابات، إذ التصويت يحتاج للحرية التي تكفل للناخب أن يدلي بصوته وفقا لما يعتقد لا وفقا لظروف شاذة كالاحتلال أو الاعتقال أو الحصار أو التجويع أو غير ذلك. هذه قاعدة لا تتبدل ولا تتغير وتنسحب على كل العالم وليس فقط على الحالة الفلسطينية، ولذلك نجد أيضا أن الديمقراطية في الكثير من الدول مشوهة، وأشبه الى أن تكون مهرجان أو مسرحية تمثيلية أو مجرد ديكور لا أكثر.

 

وفقا لهذه القاعدة، فالتفكير بإجراء انتخابات في الأراضي الفلسطينية ليس سوى ضرب من العبث، وأغلبُ الظن أنها ستؤدي لتكريس مزيد من الانقسام، فهي التي كانت سبب الانقسام الأول ولا يمكن أن تكون الطريقة لإنهائه، والكارثة ليست هنا، وإنما في المرحلة التي تلي الانتخابات؛ إذ إن المخيف هو أن يكون لدى الأمريكيين والإسرائيليين وبعض حلفائهم العرب رغبة في دفع الفلسطينيين نحو حل نهائي أو نحو التوقيع نحو اتفاق ما، ويريدون إضفاء الشرعية عليه عبر وجود رئيس منتخب وليس منتهية ولايته، وبرلمان أيضا منتخب ويضم حركة حماس، وما يعزز من هذا السيناريو هو البيان الصادر عن مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان الذي كان أول حديث من الإدارة الجديدة عن إسرائيل، حيث تعهد بالبناء على اتفاقات التطبيع التي تمت في عهد ترامب، وتحدث عن أن "واشنطن ستدعو إلى حوار استراتيجي في القريب العاجل"، ما يعني أن لدى الولايات المتحدة خطة لتحريك عملية السلام قريبا، وبما لا يختلف مع سياسات إدارة ترامب المنحازة للاحتلال الإسرائيلي.

 

الإنجاز الحقيقي الذي تحقق في اللقاءات الأخيرة بين حركتي فتح وحماس، هو أن الجميع بات على قناعة بضرورة إنهاء الانقسام الداخلي والعودة إلى الشارع الفلسطيني، ووضع حد للسنوات العجاف الـ15 الماضية، كما أن الحوار يشكل اعترافا ضمنيا من الجانبين بأنه لا مغالبة ولا منتصر في هذه المعركة العبثية الداخلية، لكن الأرجح أن الانتخابات لن تكون الطريق الأصح لإنهاء هذا الانقسام.


المطلوب اليوم هو التوصل إلى توافق داخلي مبني على مشروع إنقاذ وطني شامل يضمن مشاركة الفلسطينيين كافة، وهذا المشروع يمكن أن يكون ضمن عملية إصلاح لمنظمة التحرير، بما يضمن ضخ الدماء الجديدة فيها واستقطاب الفصائل والقوى الوطنية للعمل تحت مظلتها، وتمثيل شريحة أوسع داخل المجلس الوطني الفلسطيني.

 

وأخيرا، فإن السيناريو الأسوأ هو أن تنجرّ حركة حماس إلى مربع المشاركة في الانتخابات مرة أخرى، وتنجر إلى السباق مجددا على حصة بائسة من سلطة تحت الاحتلال، وبعد ذلك يستمر الانقسام الداخلي بينما يواصل المحتل الإسرائيلي في الوقت نفسه مشروع التهامه لبلادنا، فلا تحققت المصالحة ولا تعرقل مشروع الاحتلال، وبين هذا وذاك، فإذا ما تم توقيع أي اتفاق فسوف يحصل على الشرعية اللازمة ما دام الجميع (ممثلون ومنتخبون) في مؤسسات السلطة التي توقع باسم الشعب الفلسطيني. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"