قد يكون ملف المصالحة الخليجية خاتمة سعيدة لحصار قطر وفاتحة علاقات جديدة بين دول مجلس التعاون الخليجي وهو الأمر الذي سيعود بالنفع حتما على اقتصاديات المنطقة وعلى شعوبها ومجتمعاتها بل وعلى أمنها القومي. المصالحة الخليجية خطوة على صعيد تحصين البيت الخليجي من التهديدات التي تتربص به وهو الأمر الذي يفسر الترحيب الكبير الذي حظيت به مخرجات قمة العلا الأخيرة في السعودية. 

لكن الأخبار السارة لن تمنع تجدد الأزمات وإن ساهمت في خفض حدّة الاحتقان، وهو الأمر الذي يوجب علينا قراءة الأزمة واستخلاص أهم الدروس منها بشكل يجعل منها حدثا تاريخيا تجريبيا يستجيب لشروط الملاحظة والتفكيك والتركيب. هدف ذلك هو معرفة الأسباب والمسارات والمآلات وخطوط التوجيه التي تأسست عليها الأزمة من أجل منع تجدد الظاهرة أو حتى التنبؤ بظروف تجددها. 

السياق والمؤشرات 
 
لا يُمكن اعتبار حصار قطر حدثا منعزلا ولا يمكن قراءة أزمة الخليج الأخيرة حدثا منفصلا بل هي جزء داخل نسق من الأحداث المتتابعة التي كان الربيع العربي وثوراته شرارة انطلاقتها. حصار قطر لا ينفصل وظيفيا عن انقلاب مصر ولا عن محاولة انقلاب تركيا ولا يمكن عزله عن كل مسارات الربيع بما فيها صفقة القرن وموجات التطبيع الأخيرة. بناء على ما تقدّم يكون الحصار وتكون الأزمة مركبات وظيفية في أنساق أكبر وهو ما يسمح بإدماج هذا الحدث ضمن الأحداث السابقة له. حصار قطر هو الوجه الآخر لانقلاب مصر وهو الوجه الآخر لمحاولة انقلاب تركيا الفاشلة.
 
لقد كان النظام الرسمي يبحث عن حلّ إقليمي يجهض به المسارات الثورية المتفاعلة والتي توقف قطارها عند المحطة السورية. فخوفا من تمدد هذه الحركة نحو الخليج قام بتنشيط الثورات المضادة عبر غرف العمل الإماراتية وكان لزاما قطع خطوط إمداد هذه الثورات بما فيها تلك التي رفضت الاعتراف بالانقلابات وعلى رأسها دولة قطر العربية ودولة تركيا الواقعة خارج الدائرة العربية.
 
كان الهدف من إشعال الأزمة الخليجية إسنادَ النظام الإقليمي العربي الجديد القائم على العودة المظفّرة للنظام القديم بعد الزلزال الذي انطلق من تونس. كان هدف الرباعي المسنود خارجيا يتمثل في إغلاق قوس الثورات وإثبات وهم التغيير وإقرار قدرة الأنظمة الرسمية على الصمود في وجه كل الهزات المحتملة. 

لكنّ فشل الحصار وارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي بسبب جرائم الأنظمة وفسادها وبسبب التغيرات الدولية الكبيرة التي نتجت عن جائحة كورونا أجبر المحاصرين على خفض مستوى الطموحات والقبول بالأمر الواقع خشية تجدد الاحتجاجات. 

الدروس والخلاصات 

دروس كثيرة يمكن استخلاصها من هذا الحدث الإقليمي البارز يتمثّل أوّلها وأهمها في أنّ القرار السيادي الخليجي ليس قرارا إقليميا بل هو قرار خارجي وهو أساسا قرار أمريكي. لا أحد يستطيع أن يُنكر الدور الذي لعبته نتيجة الانتخابات الأمريكية في التسريع بالمصالحة بشكل جعل منها حدثا مفاجئا لكنه لا يختلف في سرعته عن سرعة اندلاع الأزمة نفسها. الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب وبتوجيه من صهره كوشنر هي من أعطت الضوء الأخضر لحصار قطر وهي نفس الإدارة التي أعطت الضوء الأخضر للمصالحة الخليجية الأخيرة. 

أما الدرس الثاني فيتمثل في الحالة التي بلغها النظام الإقليمي العربي ومؤسساته الرسمية مثل جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي والتي ظهرت أبنية جوفاء غير قادرة على حلّ أبسط أزماتها الداخلية. لقد ثبت بالدليل خلال الأزمة أنّ دولا بعينها هي من يسيطر على هذه المؤسسات وهي من يوجهها الوجهة التي يريد هو وهو الأمر الذي ينفي عنها صفة البناء الجامع.

 

المنطقة بلا شك مقبلة على تحولات مصيرية غير قادرة على إلغاء أثر الثورات العربية وهو الأمر الذي لم تستوعبه أنظمة خليجية كثيرة ستدفع قريبا ثمن إنكارها لمنطق التاريخ وعجلة التغيير.

 


درس آخر تمثل في مستوى الانحدار الذي بلغه الخطاب الإعلامي والخطاب السياسي الرسمي والخاص حول الأزمة وحول أطرافها. استعملت دول الحصار كل أنواع الأسلحة الممكنة باستثناء العسكرية منها من أجل النيل من دولة قطر وإظهارها بمظهر المعتدي. شملت الأسلحة أجزاء محرّمة من الجسد الخليجي مثل المنع من الحج والعمرة والخوض في الأعراض واستغلال الأطفال لتجييش الشعور العدواني تجاه دولة جارة وهو ما مثّل سابقة في العلاقات الخليجية البينيّة.
 
كما انخرط في هذه الأزمة كثير من الفنانين والممثلين والنخب التي كان الأصل في سلوكها الدعوة إلى المصالحة ورأب الصدع بدل النفخ على النار وتأجيج الصراع. لكن من جهة أخرى كانت الأزمة مجالا ظهرت فيه مواقف نادرة كلّفت أصحابها ثمنا باهظا من سجن واعتقال مثلما حدث في السعودية والإمارات تنكيلا بمن انتقد الحصار ورفض تزكيته.
 
أزمة الخليج ككل الأزمات الإقليمية هي أزمة خلل في البناء السياسي العربي. هي كذلك مؤشر على أنّ النظام الرسمي قد بلغ مرحلة الانقطاع وهو بذلك آخذ في التآكل من الداخل ما لم يتمّ إنقاذه بشكل فوري وجذري عميق. قد تعود العلاقات الخليجية كما كانت من قبل لكنها لن تمنع تجدد الأزمات ما لم يتمّ ترميم البناء من الداخل وما لم يأخذ الفرد الخليجي نصيبه من القرار السياسي ويخرج من دور الرعية والمفعول به.
 
أزمة الخليج درس هام للدول التي شاركت فيه أو تضررت منه لأنه سمح بتبيّن مراكز الخلل في العلاقات العربية البينيّة وأثبت هشاشة البناء المشترك وقدرة الخارج على التحكم في الإقليم وقراراته. المنطقة بلا شك مقبلة على تحولات مصيرية غير قادرة على إلغاء أثر الثورات العربية وهو الأمر الذي لم تستوعبه أنظمة خليجية كثيرة ستدفع قريبا ثمن إنكارها لمنطق التاريخ وعجلة التغيير.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"