تشكل صفقة منظومة S400 الدفاعية الروسية حالياً تحدياً حقيقياً للعلاقات التركية- الأمريكية، وتبعاً لذلك التركية- الروسية وإن بدرجة أقل. فرغم ان أنقرة لم تفعّل المنظومة وتبدأ باستخدامها عملياً حتى الآن، إلا أنها تعرضت لعقوبات أمريكية بخصوصها في آخر أيام رئاسة ترامب، مع احتمال لجوء الإدارة الجديدة إلى عقوبات إضافية.

بدأت القصة مع افتقار تركيا إلى منظومة دفاعية لحماية حدودها وأراضيها، وتأثرها بتداعيات الأزمة السورية قبل أن تنخرط فيها عسكرياً لاحقاً، ما عنى احتمال تعرضها لهجمات صاروخية دون أن تمتلك القدرة الذاتية على مكافحتها.

الخيار الأول لدولة في حلف شمال الأطلسي هو مظلة الحلف، إلا أن البطاريات التي نشرها الناتو على الأراضي التركية سُحبت منها تقديراً بأن الخطر على تركيا قد زال، وهو ما اختلفت أنقرة معه، لا سيما في ظل التوتر مع روسيا التي انخرطت في الأزمة السورية بشكل مباشر ابتداءً من أيلول/ سبتمبر 2015.

كما أن أنقرة فشلت في إقناع عدد من حلفائها في الناتو - وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية - على مدى السنوات التالية ببيعها منظومة دفاعية، ما دفعها للبحث عن بدائل خارج الناتو. عام 2013، اتفقت تركيا مع الصين لشراء منظومة دفاعية، إلا أنها تراجعت عن الأمر تحت ضغط الناتو، لكنها بعد سنوات من الانتظار وفقدان الأمل من الحلفاء توصلت لاتفاق مع روسيا بخصوص منظومة إس400.

اشترت تركيا منظومتين بصفقة بلغت قيمتها 2.5 مليار دولار، وتسلمتهما بشكل كامل، وأجرت عليهما بعض التجارب، وكان يفترض أن يبدأ تفعليهما في نيسان/ أبريل 2020، إلا أن ذلك تأجل بسبب ظروف جائحة كورونا وفق ما أعلنت وزارة الدفاع.

الكثيرون رأوا في التأجيل محاولة تركية لتجنب العقوبات التي لوحت بها واشنطن مراراً في إطار قانون "كاتسا"، أي قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات، بعد أن كانت جمّدت مشاركة تركيا في مشروع مقاتلات F35


إلا أن الكثيرين رأوا في التأجيل محاولة تركية لتجنب العقوبات التي لوحت بها واشنطن مراراً في إطار قانون "كاتسا"، أي قانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة من خلال العقوبات، بعد أن كانت جمّدت مشاركة تركيا في مشروع مقاتلات F35. هذه العقوبات أجّلها ترامب أكثر من مرة، قبل أن يعلن عنها وزير خارجيته بومبيو في الأيام الأخيرة من رئاسته، مع تهديدات أمريكية واضحة باستمرار العقوبات مع الإدارة الجديدة.

تدعّي واشنطن أن استخدام أنقرة للمنظومة يعرض الأسلحة الأمريكية، وخصوصاً مقاتلات F35 للخطر، وكشف روسيا لأسرارها العسكرية والتقنية، بينما تقول أنقرة إن ذلك غير ممكن أو على الأقل غير أكيد، مقدمةً مثال 300S المنتشرة على الأراضي السورية، والتي تتواجد على مقربة منها وأحياناً تطير فوقها مقاتلات "إسرائيلية" أمريكية الصنع.

أكثر من ذلك، تقول أنقرة إن الصفقة لا تقع ضمن إطار قانون كاتسا لأنها وُقِّعَتْ قبلها، فقد أقِرَّ القانون في تموز/ يوليو 2017، بينما ذُكِرت صفقة 400S لأول مرة على لسان الرئيس أردوغان في أيلول/ سبتمبر 2017 بصيغة "التوقيع تمَّ ودفعنا المبلغ المقدّم لروسيا" دون تحديد موعد دقيق لذلك، قبل أن يتم التوقيع الرسمي بحضور الرئيسين لاحقاً في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه.

تترقب أنقرة تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة زمام الأمر في المكتب البيضاوي، محاولة تجنب التصعيد معها من خلال إرجاء ملف 400S والتأقلم عبر عدة سياقات داخلية وخارجية، لكنها تدرك أن الاستغراق في هذه المسارات قد ينعكس سلباً على علاقاتها مع موسكو


الآن، تترقب أنقرة تسلم الإدارة الأمريكية الجديدة زمام الأمر في المكتب البيضاوي، محاولة تجنب التصعيد معها من خلال إرجاء ملف 400S والتأقلم عبر عدة سياقات داخلية وخارجية، لكنها تدرك أن الاستغراق في هذه المسارات قد ينعكس سلباً على علاقاتها مع موسكو.

نظرياً، تمثل أمام تركيا عدة خيارات بخصوص منظومة S400:

الأول: الإلغاء، وهو أمر كان متاحاً سابقاً لكنه لم يعد كذلك الآن، وإنما أوردته لأن بعض التقارير نقلت أن هناك مطالب أمريكية لأنقرة بهذا الاتجاه. على العكس تماماً، فقد ذكرت بعض التقارير الروسية إن أنقرة وموسكو اتفقتا على صفقة 400S ثانية، وإن لم تـُؤكد هذه الادعاءات أو تُنفَ بشكل مباشر.

الثاني: التأجيل، وهو نهْجُ أنقرة حتى اللحظة كما سبق ذكره، ولكنه خيار يعني أن تركيا ستصل لمرحلة تقرر فيها تفعيل المنظومة من عدمه، ما يفرض عليها الاستعداد لتبعات ذلك أو الحيلولة دونها حتى تلك اللحظة.

الثالث: التخزين، أي إبقاء المنظومة غير مفعلة بشكل دائم، بحيث تضمن أنقرة عدم إغضاب الولايات المتحدة واستحثاث عقوباتها. بيد أنه خيار له ثمنه داخلياً وخارجياً، إذ ستتوجس موسكو من إمكانية استغلال الناتو للمنظومة للتعرف على أسرارها من جهة، وسيعرّض ذلك الحكومة التركية لانتقادات حادة من المعارضة إذ ستكون قد دفعت 2.5 مليار دولار وعرضت البلاد للضغوط والعقوبات من أجل سلاح لم ولن تستخدمه.

الرابع: الإقناع، أي إقناع الولايات المتحدة وحلف الناتو بأن تفعيل المنظومة الروسية على الأراضي التركية لا يعرض أسلحتهما للخطر، لا تجسساً واختراقاً ولا تعرضاً ومباشرة. وما زالت أنقرة مصرّة على مقترح تشكيل لجنة فنية تركية- أمريكية (وربما أطلسية) مشتركة للبحث في المخاطر المفترضة للمنظومة، وتأمل بأن تخرج اللجنة بنتائج تؤكد وجهة نظرها. لكن ذلك لا يضمن لها المخرج الذي تريد، إذ ليس من المؤكد أن دفع هواجس واشنطن الأمنية كفيل بتغيير موقفها، وأنها الدافع الوحيد لهذا الموقف أصلاً.

الخامس: الإعفاء، أي إقناع واشنطن بتجاوز فكرة العقوبات، من باب التسليم بكون شراء المنظومة قراراً سيادياً لتركيا، وأن الأخيرة لجأت إليها اضطراراً بعد يأسها من شراء سلاح دفاعي من حلفائها (ترامب كان يقر بذلك)، وأن الصفقة أبرِمَتْ قبل قانون كاتسا، مع ضمانات بمنع روسيا من استغلال الصفقة للإضرار بمصالح الولايات المتحدة وأسلحتها.. الخ.

السادس: صفقة مقابلة، أحد الخيارات التي كانت أنقرة قد اقترحتها على واشنطن هو الإبقاء على المنظومة الروسية وشراء صواريخ باتريوت من الولايات المتحدة. ولئن شكك بعض الخبراء بإمكانية دمج السلاحين في منظومة واحدة على الأراضي التركية، إلا أن تركيا عوّلت على هذا الخيار في فترة ترامب المعروف بحبه لإبرام الصفقات، وما زال هذا خياراً متاحاً بالنسبة لها مع بايدن.

في الخلاصة، ثمة خيارات عدة أمام أنقرة من الناحية النظرية، لكن عملياً ثمة مسار واحد إجباري فيما يبدو في المرحلة الحالية، يبدأ بتأجيل تفعيل المنظومة حتى استجلاء موقف إدارة بايدن (وهو الحاصل حالياً)، وقد يسير في عدة اتجاهات مستقبلاً؛ من بينها تشكيل لجنة فنية مشتركة، أو إبرام صفقة شراء باتريوت، أو التوصل لحل وسط مع إدارة بايدن من خلال الحوار المباشر.

ذلك لا يعني أن أنقرة ستنجح بالضرورة بتجاوز الأزمة مع واشنطن من خلال أحد الخيارات أو السنياريوهات سالفة الذكر، ذلك أن إصرار الولايات المتحدة على موقفها أرجَحُ وأوفَرُ فرصةً من الخيارات السابقة


لكن ذلك لا يعني أن أنقرة ستنجح بالضرورة بتجاوز الأزمة مع واشنطن من خلال أحد الخيارات أو السنياريوهات سالفة الذكر، ذلك أن إصرار الولايات المتحدة على موقفها أرجَحُ وأوفَرُ فرصةً من الخيارات السابقة، لأن الأخيرة ترى في الصفقة خطراً على أسلحتها، وترويجاً للسلاح الروسي في العالم، ودعماً مالياً ضخماً لموسكو، فضلاً عن الخلافات الأخرى مع تركيا والتي تجعلها أقرب لفكرة الضغط عليها من التوافق معها فيما يتعلق بالصناعات الدفاعية والتسليح.

يعني ذلك أن تركيا ستكون في مرحلة ما أمام مفترق طرق واستحقاق التقرير بخصوص المنظومة.. مفترق طرق شائك، أحد مساراته المحتملة أزمة حقيقية مع الولايات المتحدة بما في ذلك تداعيات ذلك الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، مقابل مسار آخر يحمل تداعيات داخلية وأزمة محتملة مع موسكو في حال اضطرت لعدم استخدام المنظومة.

لكن أنقرة أثبتت في أكثر من أزمة سابقة أنها قادرة على إيجاد مسار ثالث أو حل وسط بين الثنائيات الحادة وإكراهاتها، فهل تنجح في هذه الأزمة بإنجاز شيء شبيه؟

twitter.com/saidelhaj

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"