ما أن اتضح أن دونالد ترامب خسر الانتخابات الرئاسية قبل شهرين ونيّف حتى بدأت قيادة الحزب الترامبي ـ الذي لن يلبث على الأرجح أن ينشقّ عن الحزب الجمهوري ـ تسير في اتجاهين تصدّيا للحدث. تزعّم الاتجاه الأول ترامب نفسه، وقد رمى إلى قلب نتيجة الاقتراع بواسطة القضاء الموالي للجمهوريين، مصحوبا بحملة تحريض واسعة مرتكزة إلى الكذب الوقح على طريقة الدعاية النازية، تتوجّهما محاولة انقلابية عن طريق احتلال عصابات فاشية لمبنى الكونغرس الأمريكي، وذلك من أجل تعطيل التصديق على رئاسة جو بايدن وخلق حالة من التمرّد المسلّح تتيح لترامب استخدام القوات المسلّحة الفدرالية استنادا إلى قانون عام 1807 الذي يُجيز اللجوء إليها في وجه "انتفاضة". وقد فشلت الخطة من خلال المشهد البائس الذي شهده العالم قبل أسبوع.

والحال أن النية التي نسبناها لترامب بصورة تهكمية قبل شهرين (مقال "مكالمة سرّية خطيرة بين ترامب والسيسي" بتاريخ 10/11) تأكدت حقيقتها قبل عشرة أيام لمّا حذّر عشرة وزراء سابقين للدفاع، بمن فيهم مارك إسبر، آخر وزراء الدفاع العاملين تحت ترامب والذي أقاله هذا الأخير حالما تأكدت هزيمته الانتخابية، حذّروا وزارة الدفاع في رسالة مشتركة نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" (3/1) من ارتكاب "أي أعمال سياسية تنسف نتيجة الانتخاب". وهذا ما يفسّر سعي الديمقراطيين المحموم لتجريد ترامب من سلطاته الرئاسية بالرغم من أنه سوف يفقدها رسميا بعد أيام قليلة، خشية من أن يستخدمها في تكرار السيناريو الانقلابي بمناسبة حفل تسليم الرئاسة لخصمه.

أما الاتجاه الثاني، فكان الاستعداد للخروج من الحكم في حال فشلت الخطة الأولى، وقد تضمّن ذلك جملة تدابير مستعجلة في الشؤون المحلّية كما في السياسة الخارجية. فكانت أبرزها في المجال الداخلي إجراءات العفو الذي منحه ترامب لمعاونيه المسجونين بسبب خرقهم للقوانين الأمريكية، لاسيما من خلال الكذب لحماية أنفسهم وحماية ترامب في آن واحد.

وقد أشرف مايك بومبيو على اتخاذ كل ما يستطيع من تدابير في السياسة الخارجية قبل خروجه من المسرح، وآخرها حتى كتابة هذه الأسطر إدراج حوثيي اليمن على قائمة الإرهاب الأمريكية (علّقت عليه افتتاحية "القدس العربي" يوم أمس) وإعادة إدراج كوبا على تلك القائمة بعد أن كانت إدارة باراك أوباما قد أخرجتها منها. وفي هذين التدبيرين شكرٌ للناخبين كوبيي الأصل المقيمين في فلوريدا والذين أدلوا بأصواتهم لترامب بأغلبية واسعة، وخدمة بالطبع لحلفاء إدارة ترامب الخليجيين في صراعهم مع إيران.

وتندرج في هذا السياق الأخير مساعي صهر ترامب جاريد كوشنر في ترتيب "المصالحة" الخليجية الأخيرة وفك الحصار الذي كان مفروضا على قطر منذ أولى أشهر ولاية ترامب، تفاديا لحصول الأمر نفسه بشكل محتوم في ظلّ إدارة بايدن بما يُظهره بصورة فاقعة على أنه هزيمة نكراء للمساعي التي بذلها متولّي العهد الإماراتي محمد بن زايد في محاولة تركيع قطر.

وطبعا، كالمعتاد مع الإدارة الترامبية، فإن المستفيدة الأولى من سياستها الخارجية هي إسرائيل، لاسيما أن أعزّ أصدقائهم بنيامين نتنياهو ما زال يتزعّمها.

فقد طعن بومبيو قبل شهر بالسياسة الأمريكية التقليدية إزاء مسألة الصحراء الغربية، معترفا رسميا بانتمائها إلى الأراضي المغربية، بما أثار حفيظة بعض الجمهوريين البارزين من طاقم السياسة الخارجية الأمريكية، وذلك بغية الحصول على "تطبيع" المملكة المغربية لعلاقاتها بالدولة الصهيونية.

ولا شك في أن قيام حكومة نتنياهو بالتعجيل في قرار بناء 850 وحدة سكنية جديدة في المستعمرات الاستيطانية في الضفة الغربية، وذلك قبل عشرة أيام فقط من تولّي فريق بايدن لزمام السلطة التنفيذية الأمريكية، إنما تم بتشجيع من فريق ترامب.

وفي كل ما سبق صورة جلية عن المشهد الذي ينتظرنا في السياسة الدولية بدءا من هذا العام: فمثلما تحالف نتنياهو بصورة وقحة مع الجمهوريين في الضغط على إدارة أوباما، سوف يتابع تحالفه هذه المرة ليس مع الجمهوريين، أو ليس معهم وحسب، بل مع الحزب الترامبي تحديدا في وجه إدارة بايدن وفي إطار تحالف دولي يضمّ الدولة الصهيونية إلى ما وصفناه قبل شهرين (17/11) تحت تسمية "الحلف الثلاثي الرجعي" المكوّن من روسيا فلاديمير بوتين وإمارات محمد بن زايد ومصر عبد الفتّاح السيسي. ويشكّل هذا الحلف السند الخارجي الوحيد الذي يستطيع متولّي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أن يرتكن إليه في سعيه وراء التربّع على العرش السعودي ونقل حكم المملكة من السلالة السعودية القائمة على الوراثة بين أبناء عبد العزيز بترتيب العمر إلى سلالة جديدة، سلمانية، قائمة على الوراثة ابنا عن أب.

ويفتح هذا الأفق جادة واسعة أمام إيران في التقارب مع إدارة بايدن والاستفادة من التوتّر بينها وبين ألدّ أعداء طهران الإقليميين، لولا أن جناح الحكم الإيراني المتشدّد المهيمن في طهران، والذي يشكّل جيش "حرّاس الثورة الإسلامية" عموده الفقري، يبذل قصارى جهده لتنفيذ إجراءات استفزازية، منها زيادة تخصيب اليورانيوم ومنها خطف باخرة كورية جنوبية، ناهيكم من التصعيد السياسي الذي تقوم به ملحقات "الحرّاس" في لبنان والعراق، وذلك بغية الحؤول دون العودة إلى انفتاح يستفيد منه الجناح الإصلاحي الإيراني. أما الخلاصة الأكيدة فهي أننا قادمون في المرحلة المقبلة على كل شيء ما عدا أيام هادئة.

القدس العربي

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"