احتراق خيمة، خيمتان، ثلاث..

عندما يصبح الأطفال مادة دسمة للقتل والتشريد والمعاناة، تماما وعلى غرار ما صوره الكاتب والمخرج ميل جيبسون في فيلم "Apocalypto": "لا تقلقوا سأعتني بهم، إنهم لي الآن". كلمات محفوفة بالخوف والثقة نطقت بها طفلة صغيرة، مودعة من تم أسرهم كأضاحي بشرية، بعدما تركت كأم وحيدة لأطفال صغار على ضفة الثانية للنهر. فعلى الرغم من وحشية ما قام به محاربو المايا إلا أنهم لم يدنسوا تاريخهم بسفك دم الأطفال، في وقت كانت فيه حضارة المايا تصارع من أجل النجاة، هذا ما كان سائدا في زمن كانت فيه الأضاحي البشرية مشروعة.

اليوم وعلى تنوع عمليات الاضطهاد من عنف وقتل وتطهير، بات عدد الأضاحي البشرية في تزايد مستمر، وخصوصا وأن الكفة الغالبة من الأطفال. فظلال الموت تنوعت بتنوع آليات التشريد والتهجير القسرية التي نفذت بحق فئة كبيرة من الشعب السوري، والتي أجبرتهم على اتخاذ من اللامكان مكانا لهم، ومن الخيام ظلالا لبيوت قد تقيهم من خبايا وشرور مستقبل لم يكتب لصالحهم بعد.

شيء من مخيمات التشريد:

أسست مخيمات اللاجئين السوريين على نقاط جغرافية متزايدة النمو بهدف استقبال النازحين والفارين من جحيم حرب مجهولة الأفق، بيد أن ما تحمله كلمة مخيم من معنى لا تنطبق على واقع الحال، فتلك المخيمات تحاكي مأساة وطن لا يبعد عنهم بالكثير.

في المخيمات كل ما ينتظرك هناك هو موت مؤجل، تنوعت أشكاله على تنوع سوء الحالة المعيشية، بدءا من البنية الأساسية للمخيم وعدم توفر أساسيات ومقومات الحياة الطبيعية من مرافق ومستلزمات صحية، أو من تدني مستوى الأمن الغذائي إضافة لعدم توفر الطبابة المناسبة، مما سمح للأمراض بالتفشي بوتيرة متسارعة بين اللاجئين، فأصبح شبح الموت يطاردهم بشكل يومي في ظل الرعاية الطبية المتدنية، مع تدني مستوى الحياة وسوء الخدمات، وارتفاع معدل الأمراض المنتشرة بين سكان المخيمات، أصبحت المخيمات تتعايش بقلق مع الموت تحت الحد الأدنى من المساعدات المقدمة لهم.

ويعتبر الأطفال والرضع بالإضافة إلى مصابي الحرب هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، نتيجة العيش في بيئة قاسية وظروف غير إنسانية، فمسببات المرض منتشرة أينما ولّت الأعين.

تعاني المخيمات المخصصة للاجئين السوريين من أزمة البنية التحتية، فغالب المخيمات تقتصر على الخيام في هيئتها، مما دفع باللاجئين لتذوق مرارة الحياة يوميا، فلا سقف ولا جدران تحميهم من صيف حار أو شتاء متجمد، مع عدم توفر الماء بشكل كاف وصعوبة الحصول عليه. فأعداد اللاجئين المتزايدة لا تتكافأ مع الخدمات العامة المتوفرة لهم، مما سمح بتفشي العديد من الأمراض وخاصة الجلدية منها، فباتت دوامة المرض المستمرة تضرب اللاجئين بلا هوادة وبشكل خاص الأطفال منهم.

يشير مصطلح الأمن الغذائي إلى توفر الغذاء للفرد الحيلولة دون الخوف من مجابهة الجوع والنقص في الموارد الغذائية. ويعتبر الأمن الغذائي أحد أهم مقومات الحياة الأساسية، إلا أنَ الواقع المعاش في المخيمات السورية لا يعكس هذه الحقيقة، فنقص وشح الموارد الغذائية دفع بسكان المخيمات وبالأخص (الأطفال) للعمل ضمن ظروف وأعمال مضنية بغية توفير قوت يومهم لا أكثر. فالخوف من القهر جوعا بات أكثر أهمية من تواجد الأطفال في مدارسهم ومواكبتهم العملية التعليمية، وأكثر أهمية من حقيقة كونهم أطفال.

ما يعانيه هؤلاء اللاجئون بشتى مناحي الحياة لا يختلف كثيرا عن معاناتهم ضمن حدود بلادهم ولربما المعاناة أشد وطأة، فمع شمس كل صباح تبدأ رحلة الحفاظ على الحياة ضمن ظروف معيشية تقترب للبدائية منها للحياة الكريمة. فما يقاسيه اللاجئون السوريون وأطفالهم في مخيمات اللجوء أوثق مرارة مما تحمله الحرب في طياتها، فهؤلاء وفي نهاية المطاف ضحايا الحرب كما هي حروب الأزمنة البدائية.

من جحيم الحرب إلى جحيم الخيمة، حكاية شعب تحاكي خيامهم الوطن، من لم يمت بالرصاصة أو القذيفة يموت الآن من البرد والمرض والجوع. فكيف يمكننا أن نختبر شعورنا الإنساني ونحن نشاهد هذه المناظر عبر وسائل الإعلام، وقد نشيح بأنظارنا جانبا من شدة هول المشهد وحالة العجز التي نعيشها تجاههم، فالخيمة في النهاية من أقمشة وليست جدرانا إسمنتية.

* روائية فلسطينية مقيمة في تركيا