اليوم تصطرع في السودان جدلية السلام مع جدلية التجزئة، دون أن يجتمع أهل السياسة على كلمة سواء لأجل شعب اشتد إحساسه ببؤسه وخصاصته وتضرم شوقه إلى عدالة اجتماعية يستجم فيها من وعثاء لغوبه الطويل، ورغم الموجة الثانية لكورونا التي ضربت بعنف البلاد، أقدمت السلطات الرسمية في خطوة غير مسؤولة على تنظيم تجمع جماهيري حاشد أمه الآلاف من أنصار الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام مع السلطة الانتقالية الموقع في الثالث من أكتوبر الماضي في دولة جنوب السودان.

واعتبر البعض ذلك انتهازية وميكافيلية لأجل حصد مكاسب سياسية على حساب الصحة العامة، فلم تبال لا الحركات المسلحة ولا السلطة الحاكمة بخطورة مثل هذا الحشد، خلال أيام أو أسابيع سيشهد السودانيون يوم الزينة، حيث يؤدي قادة 5 حركات مسلحة، اليمين الدستورية لاستلام مواقعهم السلطوية في مفاصل الدولة، وذلك مشهد قد تكرر؛ إذ إن عدداً من الشخوص جاء من قبل في سيناريو مشابه إبان النظام السابق.

وحتى من بعد يوم الزينة المكرور فلا يبدو أن أصوات البنادق سوف تصمت، فالصراع داخل الحركات نفسها صراع غنائم وسلطة، ويبحث كل الفرقاء عن نصيب من كعكة المكاسب التي حصدتها الحركات، وهذا ما يهدد مصير السلام حال تمددت الخلافات وانتشرت الانشقاقات، ولذلك ظل السلام الذي يتحدث عنه السياسيون السودانيون في كثير من الأحيان أسير الغرف المغلقة دون أن يلامس أرض الواقع.

الأمر الأكثر خطورة انتشار خطاب غير رسمي للحركات المسلحة عبر وسائل التواصل، وهو خطاب كراهية يتأسس على شيء من العنصرية تجاه بقية المكونات الاجتماعية، وهو خطاب سبق أن تبنته الحركة الشعبية (الأم) قبل انفصال الجنوب، وهي تحاول شحن قواعدها ضد ما تعتبره عناصر عربية تركزت السلطة في أيديها، ويشمل هذا التصنيف المكونات الشمالية سواء كانت ضمن النظام السابق أو ضمن السلطة الانتقالية الحالية لا سيما الحاضنة السياسية المعروفة بتحالف قوى الحرية والتغيير.

ولعل جوبا اليوم تلعب دوراً خطيراً ضمن مخطط تجزئة السودان؛ فرغم الانفصال ما زالت النخبة الحاكمة تسمي نفسها "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، والمقصود تحرير السودان من العرب والثقافة العربية، وكان زعيمها المؤسس يقول إن كان العرب والمسلمون خرجوا من الأندلس قبل 500 عام بعد أن دخلوها في 1492م فما الذي يمنع خروج العرب والمسلمين من السودان.

لقد بنت الحركة الشعبية مشروعها السياسي الذي كانت ثمرته الانفصال في يوليو 2011، على محاربة ما تسميه بالمشروع (الإسلاموعروبي) في السودان، ليس هذا فحسب، بل إنها تزعم قيادة الأفارقة ضد هذا المشروع الذي ترى أنه اتخذ من السودان منصة لغزو القارة الأفريقية.

ومن بين التطورات المدهشة قفز الحزب الشيوعي من سفينة حكومة عبدالله حمدوك وحاضنتها السياسية تحالف قوى الحرية والتغيير ويتبع الحزب نهجاً سياسياً وإعلامياً مزدوجاً؛ فهو يبدو حزباً معارضاً بينما كوادره تمارس الحكم بل لديه عضوان معروفان في مجلس السيادة، وانتقد الحزب الشيوعي الحركات المسلحة واتهمها بعدم إسناد الثورة قبيل سقوط نظام عمر البشير، إذ اتهمها بأنها التزمت جانب المتفرج، بينما جاءت اليوم مهرولة لقطف ثمار الثورة، وقف الحزب الشيوعي مسانداً وداعماً لفصيل منشق عن إحدى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام الذي اشترط إعلان علمانية الدولة حتى يدخل في زمرة الموقعين على السلام.

مع ضعف السلطة الانتقالية الحالية بشقيها العسكري والمدني، تستبد بالمشهد السياسي السوداني إشكاليات عديدة أخطرها بذر بذور التجزئة وتقطيع أوصال الوطن واستخدام أبناء الوطن معاول لهدم المعبد، ومن هذه الإشكاليات أنه ليس من السهل وضع الحركات المسلحة في إطار ثابت، فقد ظلت الصفة الملازمة لها التشظي والانقسامات المتزايدة، فضلاً غياب الرؤية السياسية الواضحة، فهي مشغولة باستخدام قضايا مناطقها لحصد المكاسب السياسية والسلطوية، وكذلك تزايد حجم الخلافات داخل أجسامها المترهلة يقوض مركزية القرار داخل تلك الحركات، ويجعلها غير قادرة على الالتفاف حول قضايا واحدة ومتفق عليها للتفاوض بشأنها.

من ضمن الحركات الموقعة الحركة الشعبية قطاع الشمال، وهي امتداد للحركة الأم في دولة جنوب السودان والتي كانت تقاتل الحكومة المركزية في الخرطوم، وتشكلت بالأساس من مقاتلين انحازوا للجنوب في حربه ضد الشمال، قبل انفصال جنوب البلاد في 2011، ولكن هذه الحركة الفرع اجتاحها في 2017 صراع داخلي أدى إلى انشقاقها لقسمين، أحدهما يمانع عملية السلام ويجد الدعم الكامل من الحزب الشيوعي.

من جانب آخر وفي سياق التعقيد الذي يسم المشهد السياسي السوداني، ترفض إحدى حركات دارفور (جناح عبدالواحد نور) الدخول في مفاوضات مع الحكومة الحالية كسابق موقفها الرافض للتفاوض مع حكومة البشير، وكانت قد انشقت عنها حركة تحرير السودان (جناح مناوي)، وسبق للحركة أن وقعت مع حكومة البشير اتفاق أبوجا للسلام 2006، وبموجبه أصبح كبير رئيس الحركة مساعداً للرئيس البشير، لكنه سرعان ما عاد للحرب والقتال متهماً الحكومة بالتباطؤ في تنفيذ الاتفاق.

ومن التحديات الخطيرة التي تهدد اتفاق السلام، عمليات الدمج والتسريح التي من المقرر تنفيذها وفقاً للترتيبات الأمنية لاستيعاب قوات الحركات المسلحة في المنظومة الأمنية والعسكرية السودانية، فكثير من ضباط وضباط صف وجنود هذه الحركات لا تنطبق عليهم شروط الانضمام إلى هذه المنظومة، حيث إن عملية الدمج تحتاج خطوات أساسية، منها ضرورة التقيد بشروط الكفاءة، فلكل رتبة عسكرية شروطها، إضافة إلى الشروط الصحية والعمرية والمستوى التعليمي واللياقة البدنية، ثم من بعد ذلك إخضاع المستوعبين لدورات تدريبية تختص بالجوانب العسكرية وقواعدها وعقيدتها، كما تتطلب عملية نجاح الدمج والاستيعاب تحديد مناطق لتجمع قوات الحركات ومراقبتها تجنباً لقيام أفراد منها بأي عمل عدائي ضد الدولة أو حتى ضد قادتها.

 (الشرق القطرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"