شهدت العديد من شركات قطاع الأعمال العام الحكومية وقفات احتجاجية خلال الأسبوع الماضي، اعتراضا على بعض نصوص لائحة شؤون العاملين التي اقترحتها وزارة قطاع الأعمال العام المشرفة على تلك الشركات، ومنها زيادة ساعات العمل من 42 ساعة أسبوعيا إلى 48 ساعة، وربط الحوافز والإثابة بالأرباح التي تحققها الشركة، والانتقاص من حقوق المرأة العاملة عند الولادة وإجازات رعاية الطفل، والإلزام بالتأمين الصحي الإجبارى، وعدم وجود جدول للأجور والوظائف مرافق للائحة، إلى جانب مخالفة اللائحة لبعض مواد قانون العمل وقانون 203 لسنة 1991 المنظم لعمل شركات قطاع الأعمال العام.

وكانت وزارة قطاع الأعمال العام قد سعت منذ فترة لتعديل القانون 203 المنظم لعمل تلك الشركات، حتى نجحت في ذلك في الخامس من أيلول/ سبتمبر الماضي، والتي تضمنت تعديل مشاركة العاملين في مجالس إدارات الشركات التابعة من نصف عدد الأعضاء إلى عضو واحد أو اثنين فقط، وعدم جواز مد فترة الخدمة لغير شاغلي الوظائف القيادية بعد سن التقاعد، إلا بموافقة الوزير المختص وبما لا يجاوز عامين، ووضع مجالس إدارات الشركات التابعة بعد أخذ رأي النقابة العامة المختصة؛ اللوائح المتعلقة بنظام العاملين بها. وتتضمن اللوائح نظام الأجور والعلاوات والبدلات والإجازات، وتعتمد هذه اللوائح من الجمعية العامة للشركة ويصدر بها قرار من وزير قطاع الأعمال العام.

ومن هنا فقط أصدرت الوزارة مسودة مقترحة للائحة شؤون العاملين (الموارد البشرية) وعرضتها على اللجان النقابية للشركات التابعة للوزارة، وقالت الوزارة إن اللائحة تسعى لتحقيق العدالة في مستوى الأجور بين الشركات وخفض التفاوت فيما بينها، وتسعى لإثابة العاملين بالشركات الرابحة من خلال ربط الحوافز والإثابة بالأرباح التي تحققها الشركات، والتأكيد على الشفافية في اختيار الوظائف القيادية، والالتزام بالاشتراك في التأمين الصحي، وصرف علاوات تشجيعية للحاصلين على مؤهلات أعلى.

الشركات التابعة من 314 شركة إلى 119

لكن تلك النصوص المقترحة لم تلق قبولا، سواء بالشركات الرابحة أو بالشركات الخاسرة، فالشركات الرابحة ومنها شركات التأمين التابعة لقطاع الأعمال العام، شهدت وقفات احتجاجية وصلت بعض صيحاتها للمطالبة بإقالة رئيس الشركة القابضة للتأمين ووزير قطاع الأعمال العام، حيث أن تلك الشركات تحقق أعلى أرقام للربح بين الشركات التابعة للوزارة، وتخشى من تراجع نصيبها من تلك الأرباح في ضوء سعى الوزارة لتقريب الفجوة بين الشركات التابعة.

وعلى الجانب الآخر إعترض العاملون بالشركات الخاسرة على اللائحة التي ستقصر توزيع الأرباح على الشركات الرابحة، بينما كانوا يحصلون على حوافز سنوية رغم الخسارة، وهو أمر تشترك فيه كافة شركات الوزارة الخاسرة، حيث تعاني من ظروف تحول بينها بين تحقيق أرباح خلال السنوات المقبلة، أبرزها قدم الآلات وعدم القيام باستثمارات بها لسنوات طويلة، وصعوبات التسويق ومنافسة مشروعات الجيش لها ببعض الأنشطة.

ولفهم جذور المشكلة يتطلب الأمر إطلالة على تاريخ شركات قطاع الأعمال بمصر، فعقب برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي عقدته مصر مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عام 1991، وكان من ضمن بنوده خصصخة الشركات العامة، تم إنشاء وزارة لقطاع الأعمال العام لهذا الغرض، ألحق بها 314 شركة تابعة في قطاعات النشاط المختلفة، كانت غالبيتها تابعة لوزارة الصناعة لتجهيزها للخصخصة، من خلال الوسائل المتعددة سواء بالبيع المباشر أو البيع من خلال الطرح بالبورصة.

ولتحقيق تجانس بين الشركات التابعة تم توزيعها على 27 شركة قابضة تتخصص كل منها في نشاط معين، فهذه للتشييد وتلك للتجارة الدولية وهذه للسياحة وأخرى للغزل والنسيج وهكذا، وبمرور الوقت تم خفض عدد الشركات القابضة إلى 17 شركة بعد أقل من عامين، ثم توالى خفض العدد حتى بلغ ثماني شركات قابضة قبل سنوات.

ومع توالي انخفاض عدد الشركات التابعة نتيجة البيع كأغلبية لأسهمها بالبورصة من خلال الاكتتاب العام أو لبيعها لمستثمر رئيسي، أو بيعها لاتحادات للعاملين المساهمين بعدد من الشركات أو لجهات سيادية، أو بدمجها في شركات أخرى، أو تأجير بعض خطوط الإنتاج بها أو إيقاف النشاط ببعضها وتصفيتها، حتى بلغ عدد الشركات التابعة في نهاية حزيران/ يونيو 2019 نحو 119 شركة، منها 70 شركة رابحة و49 شركة خاسرة.

أعلى خسائر بشركات الغزل والنسيج

وتشهد كل من الشركات الرابحة أو الخاسرة تركزا في الربح أو الخسارة. ففي العام المالي 2018/2019 كانت أعلى الشركات بقيمة الربح السنوي، الشركة الشرقية للدخان التي تحتكر صناعة السجائر بمصر بقيمة 3.7 مليار جنيه، تليها شركة مصر للتأمين بواقع 2.2 مليار جنيه، والإسكندرية للحاويات 1.8 مليار جنيه، ومصر لتأمينات الحياة 1.3 مليار جنيه، ودمياط للحاويات 1.2 مليار جنيه، وبورسعيد للحاويات 911 مليون جنيه.

وعلى الجانب الآخر تصدرت الشركات الخاسرة شركة الحديد والصلب بقيمة 1.5 مليار جنيه، ومصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى 751 مليون جنيه، ومصر للغزل وصباغي البيضا بكفر الدوار بقيمة 639 مليون جنيه، والدلتا للأسمدة 484 مليون جنيه.

وتوزعت الشركات الخاسرة البالغ عددها 49 شركة ما بين ست شركات قابضة، أعلاها القابضة للقطن والغزل والنسيج بواقع 25 شركة، والقابضة المعدنية ثماني شركات، والقابضة الكيماوية سبع شركات والقابضة للتشييد أربع شركات، والقابضة للأدوية ثلاث شركات، والقابضة للنقل بواقع شركتين خاسرتين.

وهكذا شهدت ست شركات قابضة ربحا صافيا، كان أعلاه بالقابضة للنقل بنحو 4.3 مليار جنيه، والقابضة للتأمين 3.6 مليار جنيه، والقابضة الكيماوية ثلاثة مليارات جنيه، والقابضة للتشييد مليار جنيه، والقابضة للسياحة والفنادق 795 مليون جنيه، والقابضة للأدوية 383 مليون جنيه.

وعلى الجاب الآخر، بلغت خسائر القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس 2.9 مليار جنيه، والقابضة المعدنية 862 مليون جنيه.

وانعكس نقص عدد الشركات التابعة على العمالة بها، لتصل إلى 200 ألف عامل في العام المالي 2018/2019، مقابل 309 ألف عامل  في العام المالي 2009/2010. وكانت أعلى الشركات في عدد العمالة في حزيران/ يونيو 2019، شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى بنحو 15 ألف عامل، تليها الشركة الشرقية للدخان 13.7 ألف عامل، والمقاولات المصرية (مختار ابراهيم) 8.4 ألف عامل، والحديد والصلب المصرية 7.5 ألف، عامل ومصر للغزل وصباغى البيضا بكفر الدوار سبعة آلاف عامل.

استمرار نقص العمالة بالشركات التابعة

وعدد العمالة بالشركات التابعة متناقض عبر السنوات الأخيرة، ولهذا فإن عدد العمالة حاليا أقل مما ذكر، حيث تشير بيانات بعض الشركات التي أعلنت قوائمها المالية للعام المالي 2019/2020 إلى نقص العمالة فيها نتيجة الخروج إلى المعاش مع بلوغ السن القانوني، مثل مصر للألومنيوم.

كما أن عدد الشركات التابعة متناقص أيضا، حيث أعلنت الشركة القابضة للقطن والغزل والنسيج والملابس الجاهزة مؤخرا، عن دمج تسع شركات تابعة لها بمجال القطن في أربع شركات فقط، مع الاتجاه لدمج 20 شركة بقطاع الغزل والنسيج في تسع شركات، كما أعلنت الشركة القابضة للتشييد عن دمج 11 شركة تابعة لها في خمس شركات فقط، وهناك احتمال لوقف نشاط شركة الحديد والصلب أسوة بما تم مؤخرا مع الشركة القومية للإسمنت بسبب تزايد خسائر كل منهما.

ورغم تعاقب 18 وزيرا على وزارة قطاع الأعمال العام، التي شهدت في بعض السنوات ضمها لوزارة الاستثمار أو لوزارة الصناعة، وعودتها لنفس المسمى منذ عام 2016 وحتى الآن، إلا أن تناقص الشركات الخاسرة يسير ببطء، بل ربما تتسبب تداعيات كورونا في زيادة عددها، وهو ما ستكشف عنه نتائج العام المالي 2019/2020 عندما تظهر.

فقد تحولت شركة مصر للألومنيوم على سبيل المثال من تحقيق ربح بلغ 571 مليون جنيه بالعام المالي 2018/2019، إلى تحقيق خسائر بلغت 1.671 مليار جنيه بالعام المالي الأخير، كما زادت خسائر شركات خاسرة، مثل شيني للخزف الصيني وراكتا للورق، والعربية المتحدة للشحن والتفريغ.

ولهذا كان سعي وزارة قطاع الأعمال العام من خلال لائحة شؤون العاملين بشركات قطاع الأعمال المقترحة، لخفض النفقات وتقليل عدد العمالة وقصر توزيع الأرباح على الشركات الرابحة، وتسهيل خروج الشركات من عباءة قطاع الأعمال العام، إلى الخضوع لقانون الشركات المساهمة الخاصة بمجرد امتلاك جهات خاصة بنسبة 25 في المئة من أسهمها أو أكثر، بعد أن عجزت عن إنجاز برنامج خصخصة 23 شركة أعلنت عنها عام 2018 حسب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بسبب ظروف تذبذب أداء البورصة، وإعلانها إيقاف برنامج الخصخصة من خلال البورصة عقب تداعيات فيروس كورونا على أسعار الأسهم بالبورصة المصرية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"