تقول مريم مجيدي، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني، في روايتها "ماركس والدمية"، الفائزة بجائزة الغونكور للرواية الأولى في العام 2017: "آنذاك، وأنا أقرأ محاضراتهم أدركت أنني عانيت من مشروع تطهير شامل، كما لو أنه كان ينبغي أن نخفي اختلافاتنا ومن ثم البدء بمسحها تماما. خمس دقائق مخصصة للتعريف بالتلميذ غير الناطق بالفرنسية، ويذكر فيها لمرة واحدة "أصله" وما عدا ذلك، لا شيء آخر. وحين تنتهي عملية "التنظيف والغسل"، يرسلونه إلى الصف "الحقيقي". صف غير الناطقين بالفرنسية أو التنظيف، إنه الشيء ذاته. يمحون، يمسحون، يغمروننا في مياه الفرنكوفونية ليغسلوا ذاكرتنا وهويتنا. وحين يصبح كل شيء نظيفا ونقيا والداخل فارغا تماما، يكافئوننا: أنت الآن في المنزل الفرنسي، ومهمتك أن تكون في مستوى المعروف الذي قدمناه لك. إنها طريقة غريبة في تقبل الآخر. عقد يبرم على وجه السرعة بين الضيف و"المضيف"، أقبلُ أن تصبح في منزلك، لكن بشرط أن ترغم نفسك أن تغدو مثلي. انس من أين أتيت، فلم يعد لهذا أهمية هنا".

هكذا تستقبل المدرسة اللائكية الفرنسية الأطفال الواصلين حديثا من غير الناطقين بلغة موليير. وهي إذ تفعل ذلك فلا اختلاف بينها وبين معسكرات التطهير والتأهيل في الأنظمة الشمولية الاستبدادية. الفارق الوحيد أن فرنسا تفعل ذلك وهي تدعي اعتماد التعددية والاختلاف واحترام حقوق الإنسان مرجعية، والثانية تفعلها عن سبق إصرار وترصد في مسعاها للإجهاز على نفس الحقوق. وفي كلتا الحالتين، فشل ذريع في التطويع والتطهير والقولبة.

مناسبة الحديث، الجريمة الشنعاء التي ارتكبت في حق مدرس فرنسي يوم الجمعة بضواحي باريس. مرتكب الجريمة، شاب من أصل شيشاني وُلد في موسكو، ولا يتجاوز الثامنة عشر من عمره. يعيش الشاب بفرنسا مع عائلته كاملة بما فيها الجد.

وهو بالتأكيد نتاج المدرسة اللائكية الفرنسية التي فشلت، كما في حالات عديد غيره، في تحويله إلى "فرنسي صالح" مؤمن بالجمهورية ومبادئها، متبن لتعاليم قانون 1905 اللائكي، و"كافر" بالأديان والمعتقدات. كان مطلوبا من الشاب الشيشاني أن ينسلخ عن ماهيته وعن تاريخه. وكانت المدرسة الفرنسية تعتقد أن "التطهير" أو "التنظيف"، كما تسميهما مريم مجيدي، كفيلان بجعله رهينة المعروف الذي أسدته إليه فرنسا ومؤسساتها. ينسى مهندسو المناهج أن التاريخ لا يُنسى وأن المعتقدات لا تُمحى. فما شهدته الشيشان من جرائم ضد الإنسانية وسط صمت المجتمع الدولي جرح لا يندمل وتاريخ لا يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه. الرغبة في الانتقام لا تحتاج إلا لشرارة ليس أفضل من الإساءة للمعتقد الديني ذريعة لاستثارتها وإشعالها.

بداية شهر  تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، نشر والد إحدى التلميذات بمدرسة كونفلان سانت أونورين، التي كان يدرس بها الأستاذ القتيل، شريط فيديو، شاهده أكثر من سبع وعشرين ألف شخص، يروي فيه نقلا عن ابنته، كيف طلب الأستاذ من الطلبة "المسلمين" الخروج من الفصل مخافة أن يصدمهم ما سيقدم عليه كجزء من درس التاريخ. رفضت التلميذة الخروج وشاهدت نبي الإسلام يقدم للتلاميذ، وهم في سن الثالثة عشر، عاريا في صورة كاريكاتورية، والذريعة الحديث عن أهمية حرية التعبير باعتبارها الأساس الداعم للجمهورية ومؤسساتها.

لم يجد الأستاذ من أمثلة يقدمها غير رسوم كاريكاتورية انطلقت لعنتها من الدنمارك لتستقر بفرنسا بعد أن حصدت في طريقها الأرواح ولا تزال. تغاضى عن مشهد الرئيس الفرنسي وهو يوبخ صحفيا مخضرما لنشره مقالا لم يعجب الرئيس واعتبره ضد المصالح الفرنسية أثناء زيارته للبنان، ولا اهتم بأخبار التحقيق ضد صحفيين نشروا تسريبات عن مكالمة هاتفية جمعت ماكرون بالرئيس الروسي بخصوص محاولة اغتيال المعارض نفالني بدعوى أن النشر مضر بالأمن القومي الفرنسي.

رفع والد الطفلة شكوى ضد الأستاذ بسبب نشر صور بونوغرافية، واعتقل بعد حادث القتل للتحقيق. اشتكى عدد من أولياء الأمور لدى الشرطة، وهي مؤسسة جمهورية، فووجهوا بشكوى مضادة من الأستاذ، بدعم من مديرة المدرسة، بدعوى التشهير. تطورت الأمور بسرعة حتى وُجد الأستاذ وقد فُصل رأسه عن جسده في مشهد يذكر بفيديوهات داعش وهو يقطع رؤوس المختطفين لديه. المشهد وقع هذه المرة داخل فرنسا وفي الشارع العام، وهو ما مثل رمزية قوية لا يمكن إلا أن تصدم الفرنسيين والساسة، بائعي الوهم، في مقدمتهم.

المدرسة في فرنسا لائكية لكنها تسخر من اعتقادات جزء من طلبتها. المدرسة في فرنسا ممنوعة على المحجبات، لكنها مفتوحة للرسوم الكاريكاتورية ولو نالت من نبي يتبع تعاليمه ملايين المواطنين الفرنسيين ومئات الملايين عبر العالم.

عندما فتح ماكرون بخطابه يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر "المعركة" مع الإسلام، وحول قضية فرنسية داخلية إلى مواجهة مفتوحة تجعل مصالحها مهددة في مكان، تنادت الطبقة السياسية الفرنسية و"الأبواق" الإعلامية إلى التصفيق والتهليل، بل المطالبة بالمزيد من التشدد في مواجهة البربرية والوحشية المهددة لبلاد الأنوار.

لكن واقعة ذبح الأستاذ، بما حملته من تصعيد غير مسبوق ما كان ليغازل مخيلة أشد المتشائمين، جعلت ماكرون يخرج على مواطنيه من أمام المدرسة وهو يقول: "قتل مواطن اليوم لأنه كان معلما ولأنه كان يُدرس التلاميذ حرية التعبير، حرية الاعتقاد وعدمه. هذا المواطن كان ضحية عمل إرهابي إسلامي.. ليس صدفة أن يقتل هذا الإرهابي مدرسا لأن المستهدف هو مبادئ الجمهورية، الأنوار، وإمكانية جعل أطفالنا، أيّا كانت أصولهم، مؤمنين وغير مؤمنين، أيّا كانت ديانتهم، مواطنين أحرارا.. لن يمروا، الأجهزة الأمنية الداخلية والخارجية، بل كل من يحلمون بالجمهورية وبجانبهم القضاة والمنتخبون والمدرسون.. جميعا سنشكل حاجزا في مواجهتهم. لن يمروا.. الظلامية والعنف الذي يرافقها لن تنتصر. لن يقسمونا. هذا ما يسعون إليه..".

لم ينف ماكرون صراع الجمهورية مع الإسلام، لكنه أبدى المخاوف الحقيقية التي صارت تضبط إيقاع الصراع السياسي الداخلي بفرنسا. لقد صار الحديث شبه واضح عن تيار سياسي أقرب ما يكون إلى حزب، وهو في واقع الأمر مجرد ترهات في بلاد يحظر فيها تكوين أحزاب على مرجعية دينية. كنا نعتقد أن الحديث عن حزب "الإخوان المسلمين" بفرنسا وقدرته على الوصول إلى الحكم مجرد هلوسات كاتب مثل ميشيل ويلبريك في رواية "خضوع"، حيث تنبأ بوصول أول رئيس فرنسي لحكم فرنسا في انتخابات 2022، أو مزايدات كتاب أيديولوجيين مثل أريك زمور، صاحب "الانتحار الفرنسي" أو رونو كامي مؤلف "الاستبدال الكبير"، وهو خطاب ما انفك كثيرون يرددونه زيادة في صب الزيت على النار.

لقد صار الحديث عن الإخوان المسلمين ككيان فرنسي يتسلل إلى الإعلام من خلال مداخلات سياسيين، مثل جاكلين برينيو عن حزب الجمهوريين، التي دعت لاستئصاله ومتابعة المتبنين لأفكاره داخل المدرسة الفرنسية من المعلمين، في تعليق لها على جريمة مدرسة كونفلان سانت أونورين. فرنسا التي دأبت على دعم المستبدين، أينما كانوا، تتبنى اليوم علانية خطاب دكتاتوريات الشرق الأوسط في مواجهة الإسلام السياسي.

عندما حاولت المجموعة الإعلامية النافذة "كنال بلوس" معالجة الموضوع، عنونت سلسلة درامية أنتجها في 2019 بـ"المتوحشون". السلسلة تحكي كيف نجح إيدر شاوش، وهو من أصول مغاربية، في الوصول لحكم فرنسا. لكن طفلا مؤدلجا من أبناء الضاحية خرّب على الفرنسيين عرسهم الديمقراطي حين أقدم على اغتيال الرئيس المنتخب حديثا. هؤلاء "المسلمون" لا يفهمون غير لغة القتل والاغتيال ولو تمكن أحد أبنائهم من دخول الإليزيه. وإمعانا في التخويف، كان أول نشاط رسمي للرئيس المنتخب، بعد نجاته، تكريم عدد من قدماء المحاربين المغاربيين الذين دخلوا مقر الرئاسة بملابسهم ووجوهم الغريبة عن هوية ووجه فرنسا المسيحية البيضاء.

كلام ماكرون ليس وليد اللحظة، بل هو خطاب معد بعناية ويفتح الباب أمام تغييرات حقيقية في الساحة السياسية والدينية بفرنسا. لكن الأكيد أن الفشل سيكون حليفها ما دام الرد الأمني هو الجواب الوحيد الذي تحمله فرنسا في مواجهة جزء من مواطنيها.

قبل سنوات حاولت قولبة الفرنسيين ومعهم العامل في إطار مسيرة "أنا شارلي"، وهي اليوم تخطط لمسيرة شعبية، في ظل أزمة كورونا وحالة حظر التجوال الليلي، تكريما لروح الأستاذ القتيل. لم تستفد فرنسا من سياسة الرد بالمسيرات "الوهمية" التي جعلت لعنة شارلي تطاردها في شوارع وأزقة الداخل، وفي صحارى وبراري ما وراء البحار.

اللعنة أمر واقع لا يمكن التخلص منه إلا بالحقيقة والاعتراف بالذنب. ساركوزي، الرئيس الأسبق، ظن أن قتل القذافي سيريحه من فضيحة تمويل حملته الانتخابية. لكن لعنة العقيد أوقعت الرئيس وجعلت النيابة الفرنسية توجه له، قبل أيام، تهمة "تشكيل عصابة إجرامية". لا علاقة لقتل القذافي بالأمر، فدمه لا يحمل كريات فرنسية، بل بتمويل حملة ساركوزي الانتخابية خارج القانون. هكذا هي فرنسا تفصل القضايا على هوى مبادئ الجمهورية لا الحق الإنساني.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"