إن تصدير صحيفة أو وثيقة المدينة أمورها بشأن كليات التأسيس من مسائل تتعلق بالهوية؛ "أمة من دون الناس" بالاختصاص والتمايز والروابط الفرعية، واستنادا الى مفاهيم مثل الثقافات الفرعية وتعدد دوائر الانتماء ضمن نظرية "وحدات الانتماء الفرعية المتحاضنة"، و"أمة مع الناس" بالاشتراك في الوطن والتعايش المشترك والمعيشة مع بعضهم البعض، ومسائل أخرى تتعلق بالمرجعية والاحتكام إليها، إنما يشكل المدخل الصحيح والناجع لمثل هذه النوعية من وثائق التأسيس التي تشيد مجتمعات وتبني أنظمة، لأن التعرض الى أبواب أخرى تتعلق بالتفصيلات والإجراءات في الأنظمة والتنظيمات في الأداء والأدوات؛ في القواعد والترتيبات؛ كل ذلك فرع على أصل يُستند إليه ويقوم عليه ويُستمد منه ويتولد عنه ويُشتق منه. ومسألة الحقوق وضبطها وتنظيم العلاقات وحركتها؛ من هذه الأمور المترتبة على ذلك.

ولذلك فإن الوثيقة لم تقتصر على تلك المبادئ الكلية، بل انطلقت لتنظم المبادئ النظامية والقواعد الإجرائية، فنظمت من جانب آخر حقوق الجماعات والأفراد، ونصت على أن جميع أفراد الأمة متساوون في حق منح الجوار لأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. غير ان الصحيفة قيّدت هذا الحق بالنسبة للمشركين من أفراد الأمة بقولها: "وأنه لا يجير مشرك ما لا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن"، وذلك لأن مشركي قريش كانوا في حالة حرب مع المسلمين.

وأعطت الصحيفة لغير المسلمين الحق في حرية التدين، فأكدت "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم"، لقوله تعالى: "لا إكراه في الدين"، وقوله عليه الصلاة السلام عندما كتب إلى أهل اليمن: "إنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن وعليه الجزية. وكذلك يتركون وما يعبدون، ويسيرون" (1:45).

كما منحتهم حرية التصرف في أحوالهم الشخصية حسب أديانهم من زواج وطلاق وغيره، بل وتعين الدولة لهم قاضيا منهم ينظر في خصوماتهم. وأما المطعومات والمشروبات والملبوسات، فيعاملون بشأنها حسب أحكام دينهم ضمن النظام العام. وأما الحقوق الإدارية، فسائر رعايا الدولة هم سواء في تقلدها، إلا في المناصب الدينية، أو التي تعتبر من أعمال الحكم.

ولكل من يحمل التابعية وتتوفر فيه الكفاية، رجلا كان أو امرأة، مسلما أو غير مسلم، أن يعين مديرا لأية مصلحة من المصالح او أية إدارة، وأن يكون موظفا فيها، ويجوز لكل حامل التابعية الإسلامية "الجنسية"، وبغض النظر عن دينه وعنصره، أن يكون عضوا في مجلس الأمة. وأن يُنتخب وينتخِب لهذا المجلس.

وتنفق الدولة على رعاياها من غير المسلمين الفقراء ما تنفقه على فقراء المسلمين من أموالها، بحيث تمكنهم من العيش الكريم أسوة بأي مسلم، وتمكنهم من قضاء لوازم حياتهم الضرورية وتعليمهم كما تمكن المسلمين. ومن حقوق أي فرد في الدولة استخدام المرافق العامة، وإحياء الأرض الموات، ومن واجب الدولة المحافظة على حرماته الشخصية.

ومن الملفت للنظر أنَّ صحيفة المدينة اعتبرت الحقوق هبة الله تعالى، وليس لأحد انتهاكها، وأنها قرنت الحقوق بالواجبات في تأكيد جازم على ملازمتها لإنتاج حياة مسؤولة وهادفة. وأشارت إلى قدسية حقوق الإنسان من خلال تأكيدها على التعاون ضد الظلم والفساد والطغيان وحماية الضعيف، ولم تعط أي طرف ميزة خاصة، ووثقت مبادئ الإيمان والعدل والمساواة والتعاون بين بني البشر جميعاً.

وظلت منظومة الحقوق والواجبات في النظر وفي العمل ضمن قاعدة التأسيس المرجعية "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، التي تقر المبدأ الأساسي في المساواة الابتدائية والمساواة في الأساس على قاعدة الاشتراك الإنساني؛ ولذا فقد حملت هذه الوثيقة ترجمة لمبادئ عالمية الإسلام وإنسانية الإسلام؛ "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

إذا كانت النصوص الإسلامية قد اسندت المسؤولية الجزائية على كل مسلم بصفته الفردية، فكذلك شملت هذه القاعدة غير المسلمين، فجاء في الصحيفة: "إلا من ظلم وأثم، فانه لا يوتغ - أي يهلك - إلا نفسه". وكذلك وضحت الصحيفة ما هي واجبات غير المسلمين (لا سيما اليهود)؛ حيث أوجبت الصحيفة على اليهود عدم منح الجوار "الحماية" لقريش ولا من نصرها، كما ان من واجبهم مناصرة المسلمين في محاربة من اعتدى على المدينة، إضافة إلى تحديد النطاق الجغرافي الذي يحاسب عليه أي إنسان اقترف جرماً داخل ما يسمى بجوف المدينة، كما في البنود (39–44).

ومن تحليل تلك النصوص يتضح أن الإسلام يعتبر الجماعة التي تحكم بموجب أحكامه وحدة إنسانية، بغض النظر عن طائفتها وجنسها. فليس في الإسلام ما يسمى بالأقليات، بل جميع الناس لهم الاعتبار الإنساني فقط ما داموا يحملون التابعية أو الجنسية. فكل من يحمل تابعية الدولة يتمتع بالحقوق التي قررها الشرع له، سواء أكان مسلما أم غير مسلم. ويطبق الإسلام على جميع الرعايا باعتباره قانونا للجميع، فحين تطبق أحكام المعاملات والعقوبات مثلا، يُنظر إلى الناحية التشريعية القانونية، لا الناحية الروحية الدينية.

وفي هذا المقام قامت منظومة الحقوق والواجبات على ساقين، لتعبر بذلك عن إمكانات الحقوق ضمن عمليات تحريك وتفعيل؛ تشكل تلك بيئة حاضنة لها في الفعل والفاعلية في التطبيق والتشغيل، الساق الأولى في منظومة القيم السارية والبيئة الحاضنة لقيم العدل والمساواة والاختيار والحرية، وقيم المسئولية المقترنة بعناصر المساءلة والمحاسبة من تفعيل منظومة القيم تلك، من غير تمييز ضمن قواعد العدالة الأساسية والتسوية المعتبرة، فظلت هذه القيم تأسيسا وتفعيلا وتأصيلا وإعمالا الحارسة للممارسة والضامنة في الحركة والتأسيس في الحكم والموقف.

أما الساق الثانية فتتمثل في ممارسة الحقوق وإدارتها، ليس فقط وفق منظومة القيم الكلية المعتبرة، ولكن ضمن مبادئ تأسيسية وتنظيمية؛ إن كل حق تتبعه أربعة واجبات لا تنفك عن بعضها البعض، وفي إطار القاعدة الكلية بالارتباط الأكيد في عروة وثقى بين الحقوق والواجبات؛ واجب أول يتعلق بمعرفة الحق وبيان محدداته وشروط إعماله عند التطبيق والممارسة؛ وواجب ثانٍ يرتبط بممارسته وتفعيله، فلا يقع في دائرة الحق المُجَمّد أو المُعَطّل أو الذي يُفرًغ من جوهره ومضمونه؛ وواجب ثالث يرتبط بالحفاظ عليه وحمايته إذا انتُهك من الغير أو من صاحب السلطة أو جهة الإدارة؛ أما الواجب الرابع والأخير فيرتبط بمراعاته في حق الغير في سياقات القاعدة الذهبية "لا ضرر ولا ضرار".

إن هذه القواعد التنظيمية من الأهمية إجراؤها على وجهها بحقها ومستحقها، وكذا من المبادئ التنظيمية في هذا الباب أن تنظيم الحق ركن فيه لا ينقضه ولا ينفيه؛ ذلك لأن كثيرا من جهات تنظيم الحقوق ما تسرف في قواعد التنظيم بغرض تسويغ استبداد المستبد، أو فتح الباب للطاغية لانتهاك الحقوق وتعطليها عمدا باسم الغطاء التنظيمي المتعلق بالحقوق وممارستها.

وهكذا عدت صحيفة المدينة كصحيفة تعاقدية بين أطراف متعددة ومتنوعة، متكاملة ومتعايشة، أول وثيقة حقوقية في زمنها نظمت العلاقة العضوية بين أفراد الجماعة السياسية والجماعة الاجتماعية، وضمنت الحقوق والواجبات على أرضية التعددية الدينية والعرقية، وأنها عقد مواطنة متقدم على عصره بين رأس الدولة ومن معه من المسلمين، وبين سكان المدينة من أهلها الذين لم يدخلوا الإسلام بعد؛ وبين جماعات من اليهود من قاطني المدينة. ومن المهم أن يظل هذا النظر الحقوقي الناظم لحياة الأفراد والمواطنين، والجماعات والتكوينات، سندا لتحصين منظومة الحقوق والواجبات.

twitter.com/Saif_abdelfatah

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"