لو كانت الضغوط الإيطالية نجحت في حمل السلطة المصرية، على كشف حقيقة مقتل جوليو ريجيني، فسوف تنجح ضغوط المحامي البريطاني توبي كادمان في كشف ملابسات وفاة "عبد الله"، النجل الأصغر للرئيس محمد مرسي!

بيد أن المطالب التي رفعها "كادمان" تستمد أهميتها من ضرورة "إعادة التذكير" بعملية الوفاة، وما أحاط بها من ملابسات، أدت إلى التوقف عن إثارتها، حفاظاً على سمعة الشاب الراحل، بعد أن تجلى فُجر السلطة باستعدادها لتشويهه بعد وفاته، ربما للتغطية على أمر ما ألمح إليه المحامي توبي كادمان، في المؤتمر الصحفي الذي عقده بمناسبة مرور عام على وفاة "عبد الله"؛ إذ وافته المنية في 4 أيلول/ سبتمبر من العام الماضي.

ومع اندفاع دولة العمليات القذرة في طريق التشويه والتشهير، والرغبة في ذلك، وجدنا في الظهور للمقاول والفنان محمد علي تدخلا إلهيا لقتل هذه الاندفاع وهذه الرغبة سريعاً، وإذ كان أحد الأبواق الإعلامية قد خصص حلقة لذلك، فقد كانت بينما الرأي العام منصت باهتمام لهذا الفتى محمد علي الذي جاء من دوائر هذه السلطة، وكشف عن الجنون في بناء القصور الرئاسية، والسفه في الإنفاق، من حاكم يتصرف على أنه إمبراطور لأغنى دولة في العالم، في حين أنه كان دائم التذكير بأن مصر دولة فقيرة، وليس هذا فحسب بل إنها شبه دولة.. ووئدت مؤامرة السلطة المجرمة في تلفيق قضية تشويه لنجل الرئيس مرسي في مهدها، وإن أسكتت الأصوات التي ارتفعت تلمح حيناً وتصرح أحياناً بأن الوفاة لم تكن طبيعية أبداً.

دور عبد الله مرسي:

لقد لوحت السلطة بقدرتها على الإساءة لنجل الرئيس، بادعاء أنه كان يصطحب فتاة في سيارته، كما لوحت بأن الوفاة نتيجة حقنة مخدرة، لتكشف عن موت للضمير، ونهاية لما كنا نظن أنه باق من إنسانية، مرده لانتماء القوم إلى الجنس البشري، فأي إجرام هذا الذي يحكم المدينة؟! والسلطة تعلم خطورة هذا الاتهام في مجتمع محافظ، وعندما يكون في مواجهة شخص هو ابن لرئيس ينتمي للتيار الإسلامي، ثم إن عبد الله مرسي لم يبد عليه أنه بعيد عن توجه أبيه، ومن هنا يؤدي التشويه مهمة مزدوجة بتشويه الشخص، وتشويه الأسرة، إلى أن يمتد هذا لتشويه التيار، ثم يخرس من يشككون في عملية الوفاة، ومن ينكرون أنها كانت طبيعية، وقد كان المتوفى قبل قليل يملأ الدنيا صخباً ويتحدث عن أن والده قُتل بالبطيء في محبسه.

لقد استشعر الشاب صغير السن، باعتقال شقيقه أسامة، حجم المسؤولية الملقاة على عوده الأخضر، فأبى إلا أن يقوم بها. فالوالد مات في محبسه وفي ظروفه غير طبيعية، والأخ الذي كان يقف في وجه المدفع جرى اعتقاله، لقد اكتشفوا بعد سنوات أنه كان مشتركاً في أحداث رابعة، مع أنه لم يكن متواجداً فيها في يوم المذبحة الكبرى، فتم سجنه، ليتحرك عبد الله الذي لم يكن قد تجاوز الرابعة والعشرين عاماً، ليقوم بالمهمة كاملة.

وقد علمتُ أن نصائح وجهت اليه بألا يورط نفسه في صدام مع سلطة فاقدة للرشد، لكنه لم يستجب لها، ولم يظهر فقط مجرد محاولة لسد الفراغ الذي تركه اعتقال أسامة، لكنه كشف عن وعي سياسي وإدراك كامل بالمهمة. إنه صبي أنضجته المحنة، والتي بدأت بالنسبة له قبل ست سنوات، وكان مجرد تلميذ يؤدي امتحان الثانوية العامة، والذي تصادف مع وجود والده رئيساً للدولة، فكان الافتراء من قبل إعلام الثورة المضادة بأن إدارة الامتحانات شكلت له لجنة خاصة لتمكينه من الغش!

وبالإعلان عن وفاة الوالد، كان صوت عبد الله مرسي يأتي عبر الأثير، وعبر بث القنوات التلفزيونية في الخارج، رافضاً قبول الرواية الحكومية، ومواجهاً محاولات من التنظيم الذي ينتمي إليه والده في المساهمة في طي الملف.. لقد تقبلوا فيه العزاء، وصلوا عليه صلاة الغائب، وبدوا في عجلة من التخلص من عبء تحمل مسؤولية عودة الشرعية، فقال قائلهم: لقد عادت للشعب.

وبينما كان عبد الله مرسي يقاوم محاولة طي الصفحة وإغلاق الملف، جاء خبر وفاته، وقبل أن يفيق الناس من هول الصدمة، كانت الرواية الحكومية بأنه كان يصطحب فتاة في سيارته، ليكون هذا سلاح تهديد للطرف المجني عليه بتجاوز الأمر، وإلا فتحت عليهم أبواب جهنم؛ بتشويه السمعة، واغتيال الشخصية، لتكون هذه السلطة هي صاحبة الحق في فتح الملف أو إغلاقه.

لكن ظهور محمد علي وما فجره من معلومات، بدا كما لو كان انتقاما إلهياً من سلطة الإجرام السياسي؛ فصرف الأذهان بعيداً!

قصة ميشو:

لكن، وبمناسبة مرور عام على وفاة عبد الله مرسي، يأتي توبي كادمان ليؤكد أن القضية لم تمت، وأن السلطة لم تقم بتحقيق جاد حول قصة الفتاة، وأنها لم تكن فتاة بل سيدة متزوجة، وأن شهادتها جاءت متضاربة. يقيني أن الأمر مرده إلى العجز الأمني عن إطلاق رواية متماسكة، فضلاً عن أن الإحساس بنجاح المهمة بالتلويح بتشويه السمعة سيؤدي حتماً إلى إسكات من يجرؤ على الكلام، لكنهم لم يضعوا في اعتبارهم "توبي كادمان"، وكونه بريطانياً، لن يستشعر الحرج من مناقشة مثل هذه الأمور، فيكتشف التضارب في شهادتها التي أدلت بها أمام جهات التحقيق، ثم يكشف غياب "ميشو"، فمن "ميشو" هذا؟!

لقد جاء على لسان المحامي البريطاني، أن سيارة عبد الله مرسي وصلت به إلى المستشفى متوفياً، بصحبة "ميشو" وهو الاسم الحركي للشاب الذي قاد السيارة لمسافة عشرين كيلومترا، وبصحبته هذه السيدة، وقام بتسليم مفاتيح السيارة للاستقبال في المستشفى، واختفى، في حين أن هذه السيدة ظلت مرابطة، فلماذا اختفى هو وبقيت هي؟ فإما أن يبقيا معاً وإما أن يختفيا معاً، لكن من الواضح أن ظهوره لم يكن مطلوبا، فالأكثر إثارة أن يقال أنهما كانا معا في السيارة. ثم كيف لسيدة متزوجة ولها أسرة أن تستمر للنهاية، وهي الأولى بالهروب بمجرد حدوث أزمة صحية له، لا أن تحرص على تأدية الواجب الإنساني بالبقاء معه لحين فتح التحقيق وسين وجيم؟!

في تساؤل "توبي كادمان" عن حقيقة ميشو.. قال إنه الاسم الحركي لهذا الرجل الذي ظهر في الفيديو، وتم تسجيل اسمه في التحقيقات بهذا الاسم، دون أي محاولة للتوصل إليه أو ذكر اسمه الحقيقي، وعلى الأقل هو معلوم لهذه السيدة اللغز!

ومن الواضح أن هذا الفيديو خاص بكاميرات المستشفى، ومن الواضح أنها قدمته لجهات التحقيق لتخلي مسؤوليتها عن الوفاة، وأنها تمت قبل الوصول للمستشفى. وإذا قال أحدهم: ألم يكن من المناسب أن يتم حمل إدارة المستشفى على إخفاء هذا الفيديو؟  كان ردنا: إن مثل هذه الجرائم لا يتم التوسع في دائرة المشتركين فيها، حتى لا تتسرب تفاصيلها، وليس مضمونا أن توافق كل الأطراف على الاشتراك فيها، وليس جيداً أن يتصل علم أحد خارج الدائرة الضيقة للمنفذين بأن ما جرى بفعل فاعل.

وإذا كان ليس مؤكداً أن الوفاة كانت قتلاً، فالمؤكد أن التشويه متعمد، ومن سلطة هذا هو أسلوبها المعتاد، والعمليات القذرة هي إحدى وسائلها في الحكم والسيطرة!

وفي القضية المعروفة بفساد المخابرات، كشفت تحقيقات النيابة العامة عن خضوع عدد من الفنانات للسيطرة، ليسهل بعد ذلك استخدامهن للسيطرة على قادة الدول العربية، فيتم استدراج فنانة عبر وسيط تقدم للزواج منها، باعتباره أجنبياً ولم يكن كذلك، ليتم تصويرها في أوضاع مخلة، ثم يتم القبض عليها على أساس أنها كانت تحت المراقبة من قبل بوليس الآداب، وهي في حالة فزع، يتم تمرير عرض تسوية القضية والتستر على الجريمة مقابل أن تعمل لصالحهم. واستخدمت فنانات بعد السيطرة عليهن، في التمكين من تصوير قادة عرب للسيطرة عليهم من قبل الرئيس الخالد مؤسس سلطة العمليات القذرة في التاريخ الحديث!

إن قضية انحراف المخابرات تم تفجيرها في عهد عبد الناصر، ولم يكن تحرك الرئيس المحبوب للتصدي لهذه الانحرافات، ولكنه استغل أموراً متوافقاً عليها، للانتقام السياسي، إذ كانت هناك مؤامرة ضد الرئيس الخالد يشارك فيها المشير عبد الحكيم عامر، ومدير المخابرات صلاح نصر. ولم ينكر أطراف هذه القضية ما جرى في التحقيقات، فقد اعترف رئيس قسم السيطرة "الرائد موافي"، أو "صفوت الشريف"، بتفاصيل السيطرة على فنانة معروفة، ولم ينكر نصر شيئاً من هذا أثناء محاكمته، وهو الذي فاجأ الطاقم بالحضور لحظة التصوير ليتفرج على المشاهد الساخنة بنفسه، وإن كان صلاح نصر تحمل المسؤولية كاملة، وقال إن هذا أمر منه للضابط صفوت الشريف، وليس بمقدوره وظيفيا أن يعصي له أمراً.

عهد حبيب العادلي:

وإذا كانت المخابرات العامة بعد هذه القضية قد حرصت على بناء سمعتها، ونجحت في هذا إلى حد كبير، فقد انتقلت هذه السياسة إلى جهات أخرى تفتقد القدرة على التلفيق وتفتقر أفلامها  للحبكة الدرامية ، فتأتي شهادة السيدة "راندا" متضاربة على النحو الذي ذكره المحامي البريطاني توبي كدمان، ويأتي سؤاله عن ميشو؟ ليطرح سؤالاً أكثر أهمية من سؤال من ميشو؟ وإذا كان الهروب قائماً، فلماذا لم تهرب "راندا" بعد أن قامت بالواجب الإنساني بنقل عبد الله مرسي إلى المستشفى وقد أصبح في أيدي أمينة؟ ومن أولى بالهروب "ميشو" أم "راندا"؟!..

ومن الواضح أنه كان مستهدفاً أن تبقى بمفردها إلى حين حضور الشرطة بعد إبلاغها رسمياً، لتعترف عن وجودها معه لممارسة الفجور، وهو أمر لو صح، لكان من المنطق أن تغادر السيارة في اللحظة التي استشعرت فيها تعرضه لأزمة صحية، لا أن تقوم بهذا الدور الإنساني الكبير، وتستمر حتى بغد أن غادر ميشو!

الوفاة بالحقن:

لقد قالت سلطة العمليات القذرة، إن عبد الله مرسي فارق الحياة بسبب قيامه بحقن نفسه بمخدر، ليكون السؤال: لماذا هذه العجلة ليفعل هذا في الطريق العام، وهو في طريقه لشقة أو نحو ذلك بصحبة راندا؟.. فما هو دور فاعل الخير ميشو؟!

إن محامي أسرة الرئيس محمد مرسي البريطاني، تحدث في مرافعته بالمؤتمر الصحفي الذي عقده عن أنه تم حقن نجل الرئيس بهذه الحقنة المخدرة التي قضت عليه، لنكون هنا أمام رواية حكومية تقول إنه من يتعاطى هذه الحقن، ورواية المحامي بأنه تم حقنه، وقد اعتقدت السلطات أنها أفلتت من مجرد مناقشة الأمر بالتخويف من فكرة الفضيحة وتشويه السمعة.

لا نعرف ظروف السيدة "راندا"، لكن إذا كنا نجد غرابة من حرصها على القيام بالواجب الإنساني للنهاية، حتى المثول للتحقيق، والإساءة لنفسها وهي المرأة المتزوجة، فإننا لا نعرف أي معلومات عن تاريخها وسجلها الأمني، ولن تفيد كثيراً إذا استدعيت لشيء من هذا، لكن هذا الاعتراف السهل يدفعنا لسؤال هل لها سوابق في المجال، وما حجم الضغوط التي تعرضت لها؟!

لقد كانت بداية استخدام المسجلات آداب في عهد حبيب العادلي، وزير داخلية مبارك، بل يُذكر أنه في الانتخابات البرلمانية كان يقوم بإخراج بعضهن  من السجون مع استخدام من لهن سجلات في النشاط وفي مجال البلطجة، لمساعدة الشرطة في التحرش بنساء الإخوان في دوائر بعينها، كدائرة الدقي عندما خاض الانتخابات فيها نائب المرشد العالم للجماعة، والمرشد العام بعد ذلك، المستشار مأمون الهضيبي، وعندما كانت كريمة كاتبنا الكبير علاء الديب تقوم بتغطية ما يجري في هذه الدائرة لصالح وكالة أمريكية للأخبار، تم تحريض واحدة منهن لتفتعل معها مشاجرة، ليتدخل الضابط على إثرها فيلقي القبض عليهن معاً، واصطحابهن لقسم الشرطة، بحجة الاعتداء المتبادل ، لتبيت في قسم الشرطة لليوم التالي في جو من الرعب، بعيداً عن فكرة المنع من أداء دورها بتغطية الانتخابات. والحقيقة فإن الضابط نصحها بمغادرة المكان، لكنها لم تستجب لنصحيته!

ومهما يكن، فقد كشف المحامي البريطاني عن أن تحقيقاً جاداً لم يتم في ملابسات وفاة نجل الرئيس محمد مرسي، فقد اكتفى أهل الحكم بإطلاق قنبلة الغاز، ليستروا بها العورات التي تبدت للناظرين، وهم في مأمن من أنه لن يتحدث أحد مرة أخرى عن وفاته، بعد نجاح مخطط التهديد بالتجريس، فاتهم أن هذا الكشف عن هذا التقاعس وضع النقاط فوق الحروف للأمر، ولا يموت حق وراءه مطالب!

لقد انقشع الغبار.

twitter.com/selimazouz1

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"