لا يمكن النظر إلى أي نقاش عربي في زمن الاستقطاب الشديد الذي تشهده المنطقة بدون استدعاء دور الأنظمة وأجهزتها وجيوشها الإلكترونية في تأجيج وتسميم هذا النقاش، فالدول المنخرطة في محاربة التغيير في الدول العربية معنية بتغيير مسار الجدل ليتجه لقضايا فرعية ومضرة، بدلا من اهتمام المواطن العربي بالقضايا الجوهرية والحقيقية.

منذ سنوات يتصاعد النقاش العنصري في وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي حول العلاقة بين الدول الخليجية وشعوبها من جهة، وبين بقية الدول العربية وشعوبها، وبدأت تطفو على السطح مصطلحات وأفكار عنصرية، من قبيل "بدو" الخليج وكأن البداوة شيء مشين، و"عرب الشمال" وكأن الانتماء لهذه المنطقة الجغرافية عار!

ثمة أسس موضوعية بالطبع لهذا النقاش، بسبب التنوع ولا أقول "الاختلاف" في الأوضاع الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية بين شعوب الخليج وغيرها من شعوب المنطقة، ولكنها تأججت بفعل الضخ الإعلامي الموجه من طرفين: الأول هو دول حريصة على ترسيخ فكرة "استثناء" الشعوب الخليجية، لتبقى هذه الشعوب مقتنعة بتفوقها الاقتصادي بديلا عن التحول نحو حكم رشيد يضمن رفاه هذه الشعوب وحريتها بنفس الوقت، إذ لا يوجد أي مانع من التحول لحكم أكثر ديمقراطية ولكنه يحقق الرفاهية من ريع النفط في الوقت ذاته، كما يحصل في الكويت مثلا منذ عقود. أما الثاني فهو الدول التي فشلت بتحقيق تنمية حقيقية فلجأت لنشر فكرة تفوقها الحضاري والعلمي على دول الخليج!

تظهر في هذه النقاشات المسمومة والموجهة توجهات تنظر لشعوب الخليج نظرة "استشراقية" ترميهم بالبداوة وكأن البداوة عيب، وبقلة العلم وقلة الإنتاج، ونظرات استعلائية بالمقابل نحو الشعوب العربية التي "تسرق أموال الخليج وتنكر الجميل"، وكلا النظرتين تفتقدان للروح الوحدوية التي تربط بين مصير ومستقبل وتاريخ أبناء المنطقة بما فيهم العرب والأمازيغ والأكراد والمسلمون والمسيحيون وكافة العناصر والأديان الأخرى التي تشكل تنوعا مميزا للمنطقة العربية، ولكنها تفتقد أيضا للنقاش العلمي.

وبالحديث عن النظرة العنصرية نحو شعوب الخليج، يتناسى أصحاب هذا الخطاب التطور الكبير في نسب التعليم وجودته، والتنمية البشرية التي شهدتها دول الخليج. كما يتجاهل هؤلاء أن التنمية البشرية وجودة الحياة والتقدم العلمي هو نتاج لعوامل بيئية وجغرافية واقتصادية، فالخليجي الذي كان "متأخرا" في مؤشرات التنمية البشرية لم يكن كذلك لأنه خليجي بل بسبب حالة الاقتصاد التي كان يعاني منها قبل اكتشاف وتطور صناعة النفط، بينما ساعدت العوامل الجغرافية المتمثلة بمشاطأة بعض الدول العربية لأوروبا بحصول شعوبها على وتيرة أسرع للتنمية البشرية.

يتجاهل أصحاب هذه النظرة أيضا أن الشعوب العربية كلها مرت في مرحلة تراجع كبير في نهاية الخلافة العثمانية، لأسباب تتعلق بتراجع الخلافة نفسها في الوقت الذي كانت تتقدم فيه أوروبا، وحتى وإن كانت مؤشرات التنمية البشرية أعلى في دول عربية دون أخرى، فإنها كانت متدنية على كل حال.
أما أصحاب النظرة العنصرية في دول الخليج فهم يتجاهلون أن العلاقة بينهم وبين الشعوب العربية الأخرى لا يصلح فيها الاتهام "بسرقة" الأموال ومزاعم "نكران الجميل"، فالعلاقة كانت ولا تزال تقوم على منافع متبادلة، فمن يعمل بالخليج يقدم خدمة ويأخذ مقابل هذه الخدمة، مثله مثل أي عامل أجنبي من غير الدول العربية يعمل بالخليج، فيقدم خبرته وكفاءته مقابل امتيازات مالية هي الدافع الأساسي لهجرته للخليج، فلا فضل بذلك لا للخليجي على إخوانه العرب ولا للعربي العامل في الخليج على إخوانه الخليجيين.

وإضافة لهذه الأسباب الموضوعية في النقاش، ثمة عوامل أخلاقية أيضا، وهي أن المنطقة العربية نسيج واحد بجميع تنوعاتها، وأن تاريخها وحضارتها واحدة، ومستقبلها ومصيرها بالتالي واحد، وبذلك تكون كل الطروحات العنصرية تتجاهل هذه العوامل الأخلاقية، وتدوس على كل الحقائق المتعلقة بالدين والتاريخ واللغة، والرموز المشتركة التي تشكل هوية المنطقة.


وحينما نتحدث بهذا الموضوع الساخن والحساس، فيجب أن لا ننسى أن هناك من يسعى للنفخ بنار الفتنة، لأسباب سياسية، لتغيير الوعي العربي الذي لا يزال يؤمن بوحدة المنطقة، وفي محاولة من أنظمة فاقدة للشرعية للحصول عليها عبر استغلال المشاعر الوطنية لكل شعب.

في نظرية الحداثة لتفسير صعود ظاهرة "الهويات والوطنيات" في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، يفسر أهم علماء هذه النظرية تصاعد الظاهرة باعتبارها أداة بيد النخب لتحقيق مصالحها السياسية والسلطوية والاقتصادية، عبر تحشيد الشعوب خلفهم باستخدام الشعارات الوطنية والهوياتية، وما يحصل الآن من نقاشات غير موضوعية وعنصرية بين أبناء الخليج وأشقائهم في الدول العربية ليس سوى تمظهرا بائسا لهذه النظرية، حيث ينشغل العرب جميعا عن النقاش في قضاياهم الحقيقية لصالح صراعات مصطنعة لا تستفيد منها سوى الأقليات المتحكمة بالسلطة والمال!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"