(1)
هل آن الأوان للانسحاب وإعلان الفشل؟

المعركة صعبة وغير متكافئة، وليس هناك أي أمل قريب في اعتدال الحال. الدولة تمارس دور الوحش (الليفياثان) كما وصفها هوبز، فهل يمكن لمثقف أعزل وحيد أن يصطاد ذلك الوحش الضخم بصنارة؟

بالتأكيد لا يمكن، لكن هناك من يعرف هذه الإجابة ويواصل المحاولات في المهمة المستحيلة، وأنا من هؤلاء المجانين القلائل الذين يصعدون إلى حتفهم واثقين ومصممين، ربما لأنني اخترت الطريق وأنا أعرف طبيعة المعادلة، وأعرف درجة الاختلال في موازين القوة، وأعرف أن المبدأ قبل النتيجة، وأن التمسك بالطريق أهم من موعد الوصول، لذلك كان أبطالي دائما من المهزومين العظام: أنتيجونا، اسبارتاكوس، أبو ذر الغفاري، تاجر الخزف المصري الشاب الذي واجه بصدره العاري فرقة من جنود المماليك دفاعا عن بضاعته في سوق الحسينية، ومات مشنوقا بتهمة التمرد من غير أن يبدي الندم أو يطلب الصفح من الوالي.

(2)
استيقظت مكدر المزاج بعد نومٍ رديء ملوث بالكوابيس.. الأسباب كثيرة، لكن صمت ابنتي المختنق بالدموع وكسر أملها في رؤيتي كان السبب المباشر في تكدير مزاجي، وفي طفح الأسئلة التي تضع العدم في مواجهة الأمل، وتضع الانتحار كشقيق للاختيار. فتشت عن ردود فعل عربية أو دولية لقصف غزة، فلم أجد.. الطوائف تمارس التمييز بين القصف والانفجارات.. طائفة تهتم بقصف تركيا للعراق، وطائفة تهتم بقصف "الأشباح المجهولة" لأهداف في ليبيا، وما تبقى من مهتمين يتبرعون بفائض التعاطف والاهتمام للبيروتيين في انفجار المرفأ. وكما اختزلوا فلسطين في غزة، يختزلون لبنان في بيروت، ولكل طرف حجة إنسانية ظاهرة وأغراض خسيسة مبطنة.

(3)
اكتفيت بالقهوة دون إفطار، وبدأت محاولاتي المتكررة لإقناع نفسي بالكتابة في زمن لم تعد للكتابة فيه جدوى، إلا توفير ثمن "القهوة المرة" وضمان استمرار الحياة "الأكثر مرارة". وفي أثناء المحاولات قرأت خبراً طمأن قلبي على مستقبل الوطن، لا أقصد التلميح للحزب الجديد الذي يحمل الاسم ويهيمن على انتخابات مجلس الشيوخ في مصر، لكنني أقصد مصائب مصر كوطن قادر على حماية ورعاية أولاده المخلصين، وقهر الخونة المنشقين الذين لا يشاركون في مسيرة "مستقبل الوطن".  كان الخبر بعنوان: عبد الرحيم علي يطمئن محبيه: عبرت أزمة كورونا.. وخرجت منها متسلحا باليقين في الله".

ولمن لا يعرف الدكتور علي، فهو عضو مجلس النواب المصري، ورئيس مجلسي إدارة وتحرير مؤسسة "البوابة"، ورئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بباريس، ومقدم برنامج "الصندوق الأسود" سابقا.

وبمناسبة أن الوطن كله تحول إلى "صندوق أسود"، أتوقف قليلا لتصحيح التعريف السابق للدكتور علي من خلال لمسات تاريخية سريعة، وإضافة "فقرة تذكرة" بسيطة أوضح فيها أن الأستاذ علي الذي لا أعرفه شخصياً، وليس بيني وبينه أية مواقف أو ذكريات سيئة أو طيبة، كان زميلا للصديق الراحل محمد منير في صحيفة "الأهالي"، وكان يصغره بعدة أعوام ويصغره كثيرا في القيمة والفكر والمقام. وحدث أن السلطات اعتقلت منير في الوقت نفسه الذي كان علي يتوجه إلى باريس للمشاركة في فعاليات تعبوية عن الموقف المصري في ليبيا، ثم حدث أن اكتشف كل من منير وعلي اصابتهما بفيروس كورونا، ثم حدث أن عليا دخل مستشفى فرنسيا للعلاج ولا يزال يقضي فترة النقاهة في بلاد الجن والملائكة، بينما ظهر منير يشكو عدم التنفس ويناشد الزملاء في نقابة الصحفيين المصريين توفير سرير للعلاج في مستشفى المنيرة أو أي مستشفى حكومي. ومات الرفيق منير متأثراً بأفكاره المستقلة عن السلطة، بينما يطمئن الرفيق علي جمهوره الحبيب بأنه تعافى وتسلح باليقين في الله، ويشكر الدور المصري للرئيس في لبنان الجريح، كما يشكر الدولة على بياض في كل سياساتها وانتخاباتها وإنجازاتها.

ولأن الصباحات المريرة لا ترضى بجرعة واحدة من المر، فقد انزلقت قدمي في صفحة الدكتور علي بسبب الضغط على وصلة في الخبر للإطلاع على "نص البشارة العلية"، وكانت صدفة سيئة للتعرف على جانب آخر لم أكن أحب أن أتعرف عليه، سترا للفضائح، واحتفاظا بما تبقى من أمل وهمي يساعدنا على العيش بدون خسارة المزيد من الناس والأحلام.

(4)
عشرات التعليقات من أسماء أعرفها تجاوزت مساحة المجاملة والتهنئة بالشفاء، إلى الإشادة بالدور الوطني وتأكيد القيمة والمكانة السياسية والنيابية والإعلامية وفضائل العمل الاجتماعي وفعل الخير؛ الذي يجود به النائب والسياسي والباحث والإعلامي صاحب الصندوق الأسود. وهذه التعليقات هي التي أيقظت "السؤال النائم" الذي بدأت به المقال:

- هل آن الأوان للانسحاب وإعلان الفشل؟

تذكرت سهرة ذات شجن بيني وبين صديق عزيز أثناء دراستي الجامعية، التقينا في مكان مغلق، وبعد أداء قسم الانضمام إلى التنظيم السري" خرجنا في الليلة الخريفية إلى كورنيش النيل قرب نقطة تفرع الدلتا، لم نتحدث عن النصر أو السلطة أو المكاسب، تحدثنا عن الموت، فقد سألني بلا مناسبة (أو بمناسبة يمين الانخراط الواعي في نضال الأحلام):

- تحب تموت إزاي؟

كان الصديق/ الزعيم مناضلا وسيما طقسيا، فاختار الموت شنقاً، وأسهب في ذكر تفصيلات اللحظات النهائية وترتيبات الصعود شامخا إلى المشنقة. ولما انتهى من سرد طقوس اختياره للموت، سألني: وانت؟

قلت بعدم اكتراث، منهياً الحديث في الموت: يضربوني بالرصاص وأنا حر، أموت وأنا أجري أو أمشي في شارع مظلم أو ألعب الشطرنج مع صديقي على المقهى، أموت وأنا في لحظة الفعل بدون أي انتظار مسبق أو ترتيبات لموعد الموت، فالحياة أولى بالترتيبات..

أعتقد أن هذه الليلة كشفت جانبا كبيرا من مسيرتي في النضال السياسي وفي الكتابة وفي طريقة الحياة.. أنا حر ما دمت حياً، وإذا مت فلتستمر حياتي بما كان يجب أن تكون عليه إذا عشت (بدون أي انحرافات أو تنازلات)، لذلك فإنني حسبت الفشل منذ البداية، وحسبت الموت منذ البداية، لذلك لم تكن أبداً مصائر ضاغظة على معنوياتي، ولم تكن نهايات مخيفة تحرض على التنازل خشية الوصول إليها.

(5)
"زفة تعليقات الشرفاء" في صفحة عبد الرحيم علي ذكرتني بثنائية "الراكب والمركوب" في النخبة المصرية، وكشفت لي بؤس الحالة الثقافية والإعلامية والأخلاقية، ليس فقط في صفوف "كلاب السلطة" و"صبيان الأجهزة الأمنية" و"ذباب الخرائب والأشلاء"، لكن في صفوف المحسوبين على الثقافة وتيار الاستقلال، في صفوف المدافعين عن القيم المهنية ونزاهة التاريخ السياسي أو الأخلاقي.

إذ يبدو واضحا أن "الضرورة" أدت إلى تحول الجميع إلى "مشتغلين" يهتمون بمجاملات "أهل الكار"، ويراعون توازنات مصالح "السبوبة"، ويدركون قيمة مغانم البقاء على "مسافة أمان" تحميهم من الصدام مع "الليفياثان"..

إنهم أذكياء ميكيافيليون، يعرفون خطورة التفكير في اصطياد دولة بوليسية متوحشة بصنارة، خصوصا لو كان الصياد "مثقف كافكاوي أعزل" يواجه قوة عاتية من غير دعم من سلطة أخرى أو جماعات مصالح مناوئة، كما حدث في "المرحلة الشفيقية" التي صنعت جانبا مهما من إنجازات عبد الرحيم علي، الذي صار نجماً مغسول السمعة مشكور الدور السياسي والاجتماعي والإعلامي، يباركه المثقفون "المحترمون" اللاعبون في المساحات الآمنة، بينما "المثقف الحالم" الساعي لاصطياد وترويض الدولة يتحول إلى نموذج للفرد المنبوذ الذي يمضى في طريقه من غير أن يفكر في التراجع، ومن غير أن يتوهم الانتصار، إلا بأمل غامض و"مخالف للواقع"، وهو الأمل الذي كتب عنه ميشيل فوكو، موضحاً أنه "أمل غير برجماتي"، "أمل غير منظور"، أمل معنوي لا ينبع من الواقع وحساباته بقدر ما ينبع من إرادة فرد حر حالم يصدق ما يعتقد فيه، ولا ينوي خذلان عقيدته ولا خيانة إرادته.

(6)
تأملت كثيرا في الفروق الدقيقة بين المواجهة الانتحارية أو العدمية من جانب، وبين الانسحاق المعنوي والتبعية للأقوى من جانب ثان، وبين التقية والتعايش الآمن مع ممارسة الاعتقادات كعادة سرية من جانب ثالث، وبين أن تكون نفسك بدون تفكير في كل هذه التوازنات، وسألت:

هل سأكون نفسي عندما أنسحب وأرمي أسباب الفشل على المرحلة الرديئة والرفاق المنكسرين أو المتكيفين؟

هل سأكون نفسي عندما أفكر في "مسافة الأمان الناعمة" التي أرضي فيها "الطرف الأقوى"، فأحتفظ بفرصة علاج أوروبية، وعضوية في مجلس نيابي، أو رئاسة مؤسسة صحفية أو مركز بحثي، أو كل هذه الألقاب مجتمعة؟

لم أجد سوى إجابتي القديمة:

أفضل رصاصة مباغتة وأنا أعيش حياتي، أقطع الطرق التي اخترتها واختارتني، أمارس القيم التي لم أغادرها، أطور من أفكاري وأدواتي ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وأنتظر الأحلام التي أصدقها من غير أن أهجرها بسبب التعنت أو تأخر مواعيد الوصول.

(7)
لقد شغلتني منذ بواكير الشباب متلازمة سقوط المثقف في مصائد السلطة، فلم أختر يوسف السباعي.. اخترت نجيب سرور، لم أختر لطفي الخولي.. اخترت محمد مهران السيد، لم أختر محمد حسنين هيكل ولا أنيس منصور ولا سمير رجب ولا موسى ولا عيسى.. اخترت أن أكون نفسي، لم أختر المنصب ولا الحظوة ولا التسهيلات ولا الثروة ولا الشهرة.. اخترت الرصاصة.

[email protected]ش

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"