عندما قدمت إلى منطقة الخليج لأول مرة، أحسست بأنني غريب اللسان إلى حد ما، فحتى بعض عبارات التحية في المنطقة كانت غريبة عني، وأحسست بالضيق عندما كان بعض زملاء العمل من الخليجيين يمدون أيديهم بالمصافحة ويسألونني: وش لونك؟ هل أقول للسائل: كلك نظر! وهناك وش علومك؟ كيف يكون الرد: أحياء وفيزياء؟ أم أنني "مساق أدبي"؟ وحتى "هلا" بدت لي غريبة وضربا من ممارسة التقشف اللغوي، لأنها تكون بحذف الألف / الهمزة في أول أصلها "أهلا"، وجاء يوم لاحظت فيه أن زميل عمل خليجي يبدو منهكا وعاجزا عن فتح عينيه، فسألته عما به فقال: فيني النودة؛ فعرضت عليه أن أصطحبه إلى عيادة طبية فانفجر في وجهي صائحا: خِبل أنت؟ تعرف دكتور يعالج النودة؟ وتدخل فاعل خير وفض الاشتباك بأن شرح لي بأن النودة هي النعاس.

وبالعيش طويلا في منطقة الخليج اكتسبت مثل آلاف الناطقين بالعربية لغة وسطى بين العامية والفصحى للتفاهم مع مواطني المشرق والمغرب العربيين، فقد انتجت الرغبة الجمعية لهم لغة هجينا، هي الى الفصحى أقرب، وبذلك تم تطبيع العلاقات بين الجاليات العربية في دول الخليج، فلم يعد العراقي يعلن عليك الحرب إذا قلت له: إن شاء الله تكون مبسوط دائما، ولا التونسي يتعوذ بالله منك إذا تمنيت له دوام "العافية"، واقتنع السودانيون على مضض بأن الخشم ليس هو الفم خارج حدود بلادهم..

كل لغات العالم الحية تنجب لهجات عامية، ففي بريطانيا هناك لهجات خاصة بليفربول وأخرى بنيوكاسل وثالثة بأدنبره وهلمجرا، وهناك تباين في اللهجات في الدول الناطقة بالإنجليزية: كندا وأستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، ولكن تلك اللهجات ليست منقطعة عن جذرها "الفصيح" كما هو الحال مع اللهجات العامية العربية، التي تأثرت بمحيطها الجغرافي والثقافي والسياسي غير العربي، وابتعدت عن جذورها الفصيحة، ويرى الباحثان عباس المصري وعماد أبو الحسن أنه من بين آلاف اللغات الحية، فإن اللغة العربية تخضع للازدواجية بشكل يفوق غيرها من اللغات في الواقع المُعاصر، وهو ما تفسّره جغرافيا انتشارها الواسعة والتباين الكبير بين لهجاتها العامية المتداولة.

فهناك فروق أساسية بين العربية المحكية والفصيحة، ولعل أهمها هو أن الفصحى نظام لغوي مُعرَب، أما العامية فقد سقط منها الإعراب بصورة شبه كلية، كما أنها تميل إلى التبسيط، ولاسيما في القواعد حيث تختفي صيغة المثنى تقريبا وينقص عدد الضمائر، وتختفي أوزان الجمع، وحركات الإعراب. 

 

العامية العربية غير قادرة على لعب دور مهم في اكتساب المعارف العلمية لخلوها من الأنماط الفكرية الإبداعية، واقتصارها على تيسير الحياة اليومية الاعتيادية والنشاط الذهني العادي، ومن ثم فمن المستغرب ان ترتفع أصوات في لبنان والمغرب منادية بجعل العامية لغة التعليم المدرسي

 

ويرى أحمد المعتوق أن الازدواجية بين العامية والفصحى تؤثّر على الاستيعاب التعلّمي عند الأطفال "جرّاء لغة تتصارع مع مولود غير شرعي لا بد أن يوهنها صراعه، فيضيق الطفل المتعلم بها ذرعا، ويرغب عنها إلى غيرها من العاميات المتاحة أو اللغات الأجنبية التي قد يحرز من خلالها تفوقا ملحوظا، نظرا لضحالة العامية وضمور الفصحى أو تعثّرها عنده".

وعلى كل فالعامية العربية غير قادرة على لعب دور مهم في اكتساب المعارف العلمية لخلوها من الأنماط الفكرية الإبداعية، واقتصارها على تيسير الحياة اليومية الاعتيادية والنشاط الذهني العادي، ومن ثم فمن المستغرب ان ترتفع أصوات في لبنان والمغرب منادية بجعل العامية لغة التعليم المدرسي، بينما جميع العاميات محدودة القواميس وتميل الى التبسيط المُخِل بالمعاني المرادة، ومع هذا فقد صارت العامية لغة الاعلام اللبناني المرئي بنسبة كبيرة، فباستثناء نشرات الأخبار فلن تجد برنامجا تلفزيونيا لبنانيا يتم تقديمه بلغة شبه فصيحة، ثم انتقلت العدوى الى مصر ومنهما الى العديد من الدول العربية.

اللهجات العامية العربية حاضنة مهمة لتراث ثقافي شعبي ضخم، ولا ينبغي أن تحارب ولن يجدي أن تحارب، ولكن ماعونها ضيق، وعلى ضيقه فإنه يخصم من العربية الفصحى لأنها سهلة الاستيعاب والتداول، وتتعامل بخفة وتساهل مع المفردات الأجنبية فتحتضنها حتى في وجود ما يقابلها تماما بالعربية (لوكيشن = موقع / أوكي = طيب / باي = وداعا / هاي = أهلا).

وأعتقد أن الصحافة العربية المكتوبة عموما برعت في استخدام لغة عربية بسيطة وسليمة في جوهرها، لخلوها من التنطع اللغوي، وأعتقد أن رد اعتبار اللغة العربية حتى يصبح حضورها في العاميات المختلفة كبيرا هو أن تصاغ المناهج المدرسية بلغة "الإعلام" البسيطة والسليمة، والأهم من ذلك كله منع المعلمين من استخدام العامية في التدريس، لتختفي لغة: نلخبط الأمونيا مع الكبريت ونحط عليهم ماي شوي....

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"