سارعت إسرائيل أمس الأول، (ولا أقول «تسرّعت»)، إلى نفي أي علاقة لها بالانفجار المروِّع في ميناء بيروت، حتى إنها سبقت، في نفيها هذا، أي اتهام لها، رسميا أو غير رسمي، بتنفيذه. والمثل الفلسطيني العامّي يقول: «القِط المخرِّب بخاف من قرقعة السُّكَّرة»، بمعنى أن القط المؤذي يصاب بالهلع، منذ لحظة سماع تحريك المفتاح في قفل باب البيت، حتى قبل أن يدخل أفراد العائلة إلى بيتهم.

اتبعت إسرائيل نفيها لأي علاقة بالكارثة التي أصابت بيروت، (بمبادرة من وزيري الدفاع والخارجية فيها، بيني غانتس وغابي أشكنازي)، بمد يد العون لتلبية احتياجات لبنان في مواجهة هذه الكارثة، وأبلغت ذلك رسميا للمسؤولين اللبنانيين، عن طريق قوات الأمم المتحدة التي تشرف على مراقبة الحدود بينهما، وعن طريق عدد من الدول والهيئات الدولية، التي ترتبط بعلاقة مع الطرفين.

من هنا.. من مدى حرص إسرائيل على نفي أي علاقة لها بالانفجار والخسائر الكبيرة التي تسبب بها، والعدد المذهل لضحاياه من القتلى والجرحى والبيوت والبنايات المدمرة، يمكن لنا فهم سبب الضيق والانزعاج الذي يشعر به الإسرائيليون والرأي العام الإسرائيلي، اذا اعتبرنا أن المحلل الاستراتيجي الأمني الإسرائيلي، رون بن يشاي، الذي يكتب في النسخة الإلكترونية لجريدة «يديعوت احرونوت» وهي الـ»واي نِت»، معبّرا عن هذا الرأي العام، عندما نشر صباح امس، وبعد اقل من اربع وعشرين ساعة على انفجار بيروت، مقاله الذي حرص على تضمينه كيلا من الشتائم والانتقادات للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بسبب قوله للصحافيين في البيت الأبيض، بعد ساعات من انفجار ميناء بيروت، إنه «فهم من جنرالات أمريكيين اجتمع بهم، أن ما وقع من انفجارات في بيروت، ليس من نوع الانفجارات الناجمة عن عملية خطأ في التصنيع، وانه ربما كان هجوما وقنبلة من نوع ما».

من هنا، فانه عندما يكون الانفجار قد وقع بسبب «هجوم» أو بسبب وضع «قنبلة من نوع ما»، فإن كل أصابع الاتهام في العالم تُوجّه لإسرائيل، التي تمارس الهجومات وتوجه ضربات جيشها وأجهزتها الأمنية، بشكل متواصل ويومي، ليس إلى قطاع غزة ومدن وقرى ومخيمات الضفة الفلسطينية فقط، بل إلى سوريا ولبنان والعراق. وبلغ ضيق وانزعاج بن يشاي من تصريح الرئيس الأمريكي، إلى درجة وصف الرئيس ترامب بـ«الرئيس فاقد المسؤولية، ومُشعل الحرائق».

حقٌ لنا أن نتساءل: ما هو سر هذا الحرص الإسرائيلي على نفي أي علاقة لها بانفجارات/كارثة بيروت وشعب ولبنان.
لم تتصرف إسرائيل بهذا الشكل إثر «مجزرة السمّوع» قبل كارثة حزيران/يونيو 1967. ولم تتصرف إسرائيل هكذا تجاه جريمة/مجزرة مدرسة قرية «بحر البقر» في مصر خلال «معارك الاستنزاف» بين مصر وإسرائيل بين حزيران/يونيو 1967 وتشرين الأول/أكتوبر 1973.. فما هو السر إذن؟.

السر، وأكرر: «السر» هنا، للتأكيد، هو: «سعر الدم» في «بورصة الدم الإسرائيلية»، (اذا صح التعبير).
في «بورصة أسعار الدم الإسرائيلية»، سعر دم «حزب الله» اللبناني هو الأغلى. ولعلّي أقول: أغلى بكثير جدا من كل دم عربي آخر، حتى لكأنه دم خاص، بلون أزرق مثلا، تُقدِّره إسرائيل، إلى درجة أنها اعتمدته في عَلَمِها لونا لـ«نجمة داوود»، (الترجمة الصحيحة للتعبير هي «درع داوود»، وهو الملك في أساطير اليهود، والنبي عند المسلمين، وبكل ما في ذلك من إيحاءات، تتيح النقد للملك، وتحرّم النقد عن الأنبياء).

في مطلع ستينيات القرن الماضي، نشر كاتب وصحافي إسرائيلي، يكتب بشكل جاد، كما يكتب مقالات صحافية ساخرة، اسمه، على ما اذكر، يوسف حريف، في جريدة «معاريف»، مقالا ساخرا ينتقد فيه ارتفاعا ملحوظا في موازنة الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية في تلك السنة عن أسعار الدم الفلسطيني والعربي بشكل عام، مقارنا «أسعار الدم» تلك الأيام بأسعار سنين سابقة مع نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، فترة النكبة الفلسطينية، التي رسَخَت في ذهنه، ويعود إليها في ذاكرته بنشوة فرح عارم، وترحُّم على تلك الأيام الخوالي الجميلة!.

ليستدل إلى سعر الدم الفلسطيني والعربي اعتمد حريف، كمرجع له، موازنات العصابات/الميليشيات الصهيونية، الهاغاناة والبلماح وايتسل وليحي، قبل شهر النكبة أيار/مايو 1948، وموازنة «جيش الدفاع الإسرائيلي» الذي أمر بن غوريون بتشكيله بعد أسبوع واحد من إعلانه إقامة «دولة إسرائيل»، وحل جميع العصابات المسلحة اليهودية السابقة ودمجها في ذلك الجيش. وقام حريف بتقسيم كامل تلك الموازنات، التي تقدّر بملايين قليلة من الدولارات، على عدد ضحاياه من القتلى الفلسطينيين والعرب، في تلك السنوات، والذين يعدّون بالآلاف، وقارن ذلك مع نتيجة تقسيم موازنة الجيش في تلك السنة، وهي عشرات ملايين الدولارات، على عدد ضحايا جيش الاحتلال الإسرائيلي من القتلى الفلسطينيين والعرب، الذين لم يتجاوز عددهم مئة قتيل، وليخلص ذلك الصحافي الساخر بصرخة مدوية، احتجاجا على ارتفاع «أسعار الدم العربي» لأكثر من مئة ضعف خلال سنوات معدودة.

عدت بالذاكرة إلى ذلك المقال الساخر، وانا أتابع خلال الأسبوعين الماضيين التوتر الأمني الكبير في إسرائيل الذي غطى أياما عديدة، كما انعكس ذلك في تغطية جميع وسائل الإعلام في إسرائيل تقريبا، لعلامات هذا التوتر على صعيد الجيش والأجهزة الأمنية، من تحريك لقوات واستدعاء جنود من تدريبات، ومن يقظة وتوتر كبير على طول الحدود الشمالية مع لبنان.

يمكن لكل ناقد ومراقب ومتابع أن يقول ما يشاء في نقد وتقييم سياسة «حزب الله»، لكن هناك حقيقة ثابتة، لا يمكن إنكارها، هي أن «سعر الدم» اللبناني، بفضل «حزب الله»، أغلى بما لا يقاس من كل دم عربي آخر، حتى وكأنه يقارب «سعر الدم» اليهودي الإسرائيلي، الذي يمكن لإراقة نقطة منه أن تقود إلى قتال وحرب ودمار، والى هزيمة أو انتصار.

لا يملك كاتب مثلي أي مصادر معلومات وحقائق، غير ما تنشره وسائل الإعلام. لكن هذه الوسائل تنشر الكثير. ومتابعة ما ينشر تكشف بوضوح كامل أن إسرائيل، التي أقدمت على ارتكاب جريمة قتل مناضل من «حزب الله» في غارة لها قبل أسبوعين على محيط مطار دمشق الدولي، قادت إلى استنفار وتأهّب على طول «حدوها» الشمالية، بل واحتفلت بالتوصل إلى نتيجة «تعادل» مع «حزب الله»، كشفته وسائل الإعلام الإسرائيلية، عندما اكد محرر الشؤون الأمنية في جريدة «هآرتس»، عاموس هَرئيل، أن الناطق الرسمي للجيش الإسرائيلي رفض الإجابة حول ما اذا كانت الأوامر للجنود الإسرائيليين بإطلاق النار على دورية من مناضلي «حزب الله» تجاوزت الحدود في منطقة مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، في الأسبوع الماضي، بهدف قتلهم ام بهدف إجبارهم على التراجع. ثم جاء تأكيد الصحافي الإسرائيلي المعروف، ناحوم بارنياع، أن الأوامر لهؤلاء الجنود في جيش الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، من وزير الدفاع الإسرائيلي، ومن رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي أيضا، أن يطلق جنودهم النار لإرغام خليّة مناضلي «حزب الله» على الانسحاب، لأن قتل أو إصابة أي واحد منهم، قد تقود إلى تصعيد وقتال ومعركة عكسية في هذه الحرب الممتدة على مدى وسنين اكثر من قرن من الزمان.

أخلص من كل هذا إلى قناعة كاملة أن إسرائيل ليست، بشكل مباشر على الأقل، وراء الانفجار المرعب والمدمر في ميناء بيروت، دون أن ينفي ذلك احتمال أن يكون ذلك ممكنا، بشكل غير مباشر، من خلال عملاء تستروا وأبقوا تلك الأطنان من نيترات الأمونيوم في ذلك المستودع في ميناء بيروت.


(نقلا عن صحيفة القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"