مرة أخرى يتجاوز الانفصاليون الأكراد بسوريا حدودهم كأقلية داخل دولة ذات سيادة، ويتصرّفون بمنطق "دولة داخل دولة"؛ إذ أقدمت قبل أيام "قواتُ سوريا الديمقراطية" على توقيع اتفاق مع شركة نفط أمريكية يتيح لها بناء منشأتين متنقلتين شرق الفرات الخاضع للإدارة الذاتية للأكراد، يمكنهما إنتاجَ 20 ألف برميل نفط يوميا.

وإذا علمنا أنّ 80 بالمائة من النفط السوري، ونصف غازها، يقعان بمناطق خاضعة لسيطرة ميليشيات "قوات سوريا الديمقراطية"، فإن هذا يعني أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت يدها على معظم الثروة النفطية والغازية السورية، بموجب هذه الاتفاقية، وربما اتفاقيات أخرى قادمة، وحرمت سوريا من استعمال هذه الموارد الهامّة في إعادة بناء ما هدّمته تسعُ سنوات من الحرب المدمِّرة، ما سيؤدِّي إلى تفاقم معاناة الشعب السوري لاسيما بعد أن بدأ سريانُ العقوبات الأمريكية على سوريا في إطار قانون "قيصر".

ما فعله الانفصاليون الأكراد من تصرّف في ثروة الشعب السوري يعدُّ مؤامرة حقيرة ضدّ وطنهم وخيانة عظمى وطعنة في الظهر، وتمكينا للاحتلال الأمريكي من سرقة هذه الثروة بلا حقّ، مقابل دعم مشروعهم الانفصالي الذي يسعون إليه منذ عقود.

مشكلة أكراد سوريا أن جانبَهم غير مؤتمن؛ في أكتوبر 2019 دخلت قواتٌ تركية إلى بعض مدنهم في شمال شرقي سوريا لـ"تحييد التهديدات الإرهابية لتركيا"، وتخلّت عنهم حليفتُهم أمريكا ببساطة شديدة وطعنتهم في الظهر وتركتهم لمصيرهم، فلم يجدوا بدّا من الاستنجاد بالجيش السوري، وصرّح بعض قادتهم آنذاك بأنهم يقبلون التخلّي عن مشروعهم الانفصالي والعودة إلى أحضان الدولة السورية.

وبعد أن تراجع الخطرُ التركي، عادت حليمة إلى عادتها القديمة من حيث تقديم فروض الولاء للولايات المتحدة مجدَّدا على حساب وطنهم، متناسين تخليها عنهم في وقت الشدة والعُسر، ليوقِّعوا معها هذا الاتفاق المخزي الذي يمنح ثروات الشعب السوري لأعدائه المحتلّين من دون وجه حق، وصدق ذلك المسؤولُ السوري الذي وصف الاتفاق بأنه "سرقةٌ موصوفة متكاملة الأركان وصفقة بين لصوص يسرقون ولصوص يشترون"، ولعلّ اللصوص الأمريكيين يشترون بأثمان بخسة لتمويل تكلفة احتلالهم لشمال شرقي سوريا وإقامة قواعد عسكرية فيها تحت مرأى ومسمع الانفصاليين المتواطئين الذين خسروا بهذه الخيانة علاقتهم بالشعب السوري والأمتين العربية والإسلامية.

أمّا ما فعلته أمريكا فهو تعدّي سافر على القانون الدولي الذي ينصّ على أنّ اتفاقيات الاستغلال المشترَك للثروات الباطنية وغيرِها، لا تُوقَّع إلا بين دول ذات سيادة، وليس بين دولة وميليشيا انفصالية متمرِّدة، ولذلك فإنَّ هذا الاتفاق المشبوه الذي ضرب عرض الحائط بالقانون الدولي، هو اعتداءٌ صارخ على سيادة دولة مستقلة وبلطجةٌ سافرة لم تخجل أمريكا من ممارستها جهارا نهارا، لنهب ثروات السوريين وتوفير مورد تمويل هامّ للميليشيات الكردية لتعزيز مشروعها الانفصالي خدمة للكيان الصهيوني، وبذلك تُثبت أمريكا مدى الانحدار الأخلاقي والإجرامي الذي سقطت فيه في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي أصبح يتصرّف بمنطق العصابات لا الدول.

الاحتلال الأمريكي لمناطق بسوريا لن يدوم إلى الأبد وسيُدحر مهما طال الوقت، والمشروع الانفصالي الكردي في هذا البلد سيفشل كما فشل في كردستان العراق وجنوب تركيا، وستُحاسَب "قواتُ سوريا الديمقراطية" على خيانتها حينما يتخلّى عنها الأمريكان والصهاينة، وقد يكون الثمن القضاء على هذه الميليشيات العميلة وإلغاء الإدارة الذاتية للأكراد، وعلى نفسها جنت براقش.

 

(نقلا عن صحيفة الشروق الجزائرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"