(1)
لا تنزعجوا من انفجار بيروت، لا داعي للتفكير التشاؤمي، انظروا إلى الجانب الإيجابي، وهو الجانب الذي شغل كثيرين، بعضهم اعتبر الانفجار دفعة قوية لقضية المعيشة المتردية في لبنان، وبعضهم اعتبره ضربة مؤثرة للطبقة الحاكمة تدعم اتجاه التغيير الشامل تحت شعار "كلن يعني كلن"، وبعضهم اعتبره فرصة للانقضاض على حزب الله وإعادة تمكين الدولة اللبنانية الشرعية، وبعضهم اعتبره فاتحة خير لمحاسبة المهملين في بيروقراطية الدولة الضائعة..

لكن أكثر النظرات تفاؤلا اعتبرت الانفجار فاتحة خير أو كما يقول المصريون "باب رزق". وأصحاب هذه "النظرة الوردية" ليسوا مجانين أو ساخرين، لكنهم براجماتيون جداً، يفكرون بعقلية العوائد وحسابات الاستثمار مضمون الربح، ويدعمون نظرتهم المالية والتسويقية بسوابق تاريخية عن التعويضات الدولية وخيرات الدول المانحة ورواتب المستشارين المحليين لها، وكذلك يضعون في حساباتهم حجم إيرادات السياحة في مدينة هيروشيما اليابانية، فقد وضعها "الانفجار النووي" على خريطة السياحة، وجعل منها مزاراً للملايين الذين يضخون العملة الخضراء التي تستخدمها اليابان كتعويض مالي عن خسارة تحولت إلى ذكرى!

(2)
لم نعد بحاجة إلى مشاهد الوصف الشفوي لانفجار هيروشيما، فقد قدمت لنا بيروت مشهد "عيش الغراب المذهل" بالصوت والصورة. شاهدت لحظة الانفجار وتتابعاتها مرات كثيرة، ليس اختيارا مني، لكن الميديا عرضت اللقطات بتكثيف واستمرار من زوايا متعددة، حتى شعرت في لحظة أنني أشاهد أحد إبداعات "الفيديو آرت"، أو لقطة مصنوعة لجمع الترافيك على تطبيقات "لاكي" و "تيك توك". لذلك لم أندهش عندما ربط خبير أمريكي في المفرقعات بين الانفجار وبين الألعاب الضوئية "فاير ووركس".

فالفيديو يعزل المشاهد بطريقة ما عن الواقع الفعلي حتى يصبح الدم مجرد لون أحمر، والانفجار مجرد فقاعة ضخمة مبهرة، والضحايا مجرد دمى بلا تاريخ ولا امتدادات مأساوية في العائلة والحياة، ويقدم الانفجار كحدث مصور بممثلين حقيقيين ودراما حية مصحوبة بقصص متشعبة وطرائف ومصادفات تستحق المشاهدة، مثل: عروس فاجأها الانفجار، أو صبي يصرخ بعد تكسر زجاج الشرفة في منزله "ما بدي موت"، أو رجل يختبئ مع ابنه وهو ينصحه أن يردد معه "الله أكبر"، أو انكسار لحظة الهدوء وتحول الأماكن المرتبة إلى فوضى وخراب، بالإضافة إلى شريط الصوت الموازي الذي تجتمع فيه ردود الفعل العفوية في الشارع والمساكن والسيارات، مع كرنفال التحليلات التلفزيونية المتعجلة التي يتحدث فيها كل شخص عن خياله أكثر مما يعبر عن الواقع الفعلي، حتى أن الرئيس الأمريكي بنفسه سارع بالحديث عن وجود قنبلة أدت إلى الانفجار، بدون انتظار تحقيقات ولا تحريات، معللاً معلوماته بالعبارة المسرحية الشهيرة "هما اللي قالولي".

(3)
في بادئ الحدث قرأت الخبر بفتور واعتبرته مجرد انفجار عادي، فحياتنا اليومية لا تخلو من عشرات الانفجارات من العراق وحتى ليبيا، بل إن بيروت نفسها تنام قريرة العين (منذ 45 عاما) على صوت الانفجارات. ولعلكم تتذكرون أن محمود درويش ربط بينها وبين هيروشيما منذ حصار الـ83، فصارت بيروت من يومها "هيروشيما العاشق العربي"، فلماذا لا يكون انفجارها الكبير احتفالا (بالفاير ووركس المذهل) في الذكرى الماسية لانفجار "هيروشيما الأم" في السادس من آب/ أغسطس 1945؟!

نظرتي الفاترة للانفجار لم تتغير سريعا، حتى بعد أن تواترت الأخبار ومشاهد الفيديو، فقد ظلت لفترة أشبه باستعراض جاذب تقدمه الميديا الحديثة لسردية "الانفجار التلفزيوني"، على غرار "الحروب التلفزيوينة" أو برامج "تلفزيون الواقع". فكل شيء مصور بتتابع مذهل، وتعدد الزوايا والمشاهد يوحي للمشاهد بأنه أمام عمل فني مصنوع اختار فيه المخرج زوايا الكاميرات وتعدد أماكنها وتنوع كادراتها. وهذا الحضور المكثف للصورة يزيد "الإيهام" ويساعد على استقبال الانفجار باعتباره "عملاً فنيا" أو "حادثة فاير ووكس"، لأن كل التفاصيل موجودة، وكل شيء في الحادث مصور بوضوح ومتاح للمشاهدين.. إلا الحقيقة!

(4)
من سمات الكرنفال أن كل شخص يجد ما يبحث عنه ويرغب فيه، فهناك من شاهد طائرات إسرائيلية تقوم بالهجوم، حتى أنه انتبه وسمع صوت صاروخ التفجير، وهناك من بدأ دوره بالحديث عن حزب الله، وهناك من صب نار غضبه على عفاريت الفراغ، مثل الإهمال والرشوة ومصائب القدر التي تلاحق لبنان. الكل يوجه الاتهامات إلى أعداء يعرفهم من قبل الانفجار، أو يتحدث عن "لحظة الهول" باعتبارها لحظة تستحق الحكي على غرار زيارة الأماكن السياحية أو مشاهدة اللقطات النادرة.

وفي مقابل الاتهامات أو تسجيل المشاهدات كانت هناك "تصريحات المحاسبة"، وهي تصريحات محاسباتية يحفظها المسؤولون لمصادرة اتجاهات الرأي العام، وهي تشبه ما رأيته على الشاشات في مشاهد "سارينات" سيارات الإسعاف في شارع مزدحم يفضي إلى مستشفيات مختنقة، فالرئيس المسؤول يطمئن الضحايا والمفزوعين أن أحداً من المتسببين لن يفلت من العقاب، ورئيس الحكومة (الهادئ إلى حد البرودة) يعلن عن إجراءات وقرارات لم أهتم بسماعها، لأنه أطفأها بصوته الفاتر وإطلالته الزجاجية المنعزلة. لذلك ساورتني الشكوك بأن هذا الحادث (مثل غيره) سيتحول إلى "ذكرى جديدة"، فلا الرئيس قادر على المحاسبة، ولا الحكومة تستطيع تقديم حلول لمشاكل أكبر منها، ولا أصحاب القضية سيعرفون أكثر مما تفرجوا عليه (مع العالم الخارجي) على الشاشات.

(5)
لا أمهد لليأس من تغيير الحال في لبنان، لكنني أذكركم بأن انتظار نتيجة مختلفة من غير تغيير أرقام المعادلة لن يسفر عن جديد. فانفجار الميناء وقع بالقرب من ذكرى انفجارين كبيرين، الأول هز ضمير العالم كله في مأساة هيروشيما، والثاني أودى بحياة أشهر رئيس حكومة في لبنان الحديث هو "رفيق الحريري"، وقد تشكلت لجان قضائية وبنيت قباب وأضاءت شعلات نارية قيل إنها لن تنطفئ إلا إذا خلا العالم من أسلحة الدمار الشامل، لكن شيئا من هذا لم يحدث. فلا السلام تحقق في العالم، ولا الحقيقة ظهرت في قضية اغتيال الحريري، ولا أي جهة استطاعت محاسبة أمريكا على هوايتها في تحويل مدن العالم إلى "هيروشيمات لا تنتهي". كل ما حدث أن مناطق القصف تحولت إلى حدائق سياحية ومزارات، وشعلة السلام لا تزال مضاءة لأن أسلحة الدمار تزيد ولا تنكمش، والتفجيرات تنتشر حتى تحولت على "فرجة" تسلي الجماهير التي أصابها الملل من القتل العادي، وتشتاق إلى مزيد من الإثارة والمشاهد الطريفة النادرة.

(6)
كما أحب أن أقول وأكرر: لا أؤمن بالمصادفات، فالمصادفة لها قوانين خفية لم نكتشفها بعد، لذلك أتذكر صورة بيروت القديمة ثم أنظر إلى صورتها الآن وأسأل: ترى هل كسبت بيروت أم خسرت؟

وإذا فتشنا عن صورتين مماثلتين لتل أبيب أو أي مدينة مغتصبة داخل الأرض المحتلة وسألنا: ترى هل كسبت تل أبيب أم خسرت؟

كذلك الحال بالنسبة للقاهرة والقدس وبغداد وغزة والإسكندرية ودمشق وصنعاء وطرابلس وكابول وعدن والخرطوم.. إلخ.

ترى هل كسبت هذه العواصم والمدن أم خسرت؟

وترى ما هي أسباب الخسارة؟

(7)
أعرف أن رأيي غاضب، ولغتي احتجاجية، وطريقتي في التعبير عن الانفجار استفزازية، ربما لأنني لا أتقبل الخراب اليومي للأوطان، وأراه أكثر بشاعة من حادث محدود إذا قورن بما حدث من تفجيرات متواصلة لأوطاننا ومجتمعاتنا. فانفجار المرفأ في نظري هو "الانفجار الصغير"، وتكمن أهميته في استخدامه كنفير لليقظة (نوبة صحيان) أكثر من اعتباره سبباً للخراب في لبنان، لأن الخراب اللبناني سببه "الانفجار الكبير" المتواصل منذ عقود. فهل يستوي انفجار مرفأ بانفجار دولة؟ وهل نبكي على بتر ذراع جثة وطن مصلوب في الطرقات منذ نصف قرن من الهوان والحرمان؟

أيا كانت فداحة انفجار الميناء وخسائره المادية والبشرية، فإنها ليست الأخطر على بلد الفينيق الذي يولد من النار، لذلك لن أجتزئ النظر لمأساة لبنان في حادث أو في مسؤول فردي أو حزبي، فالمأساة اللبنانية أكبر وأبعد من هذا الانفجار.. "كلن يعني كلن"..

[email protected]

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"