أربعة أيام مضت على إعلان السعودية آليةً جديدةً للتسريع في تنفيذ اتفاق الرياض، وخلال هذه الفترة القصيرة جداً وقعت خروقات خطيرة ومنها تجدد الحرب في محافظة أبين في يوم عيد الأضحى المبارك، بين القوات التابعة للمجلس الانتقالي المتمرد، وبين القوات الحكومية. 

وحينما يتعلق الأمر بخروقات خطيرة للترتيبات السعودية فما من سبب يمكن فهمه لحدوث ذلك إلا لأن ثمة رغبة مضمرة لأن تبقى الأمور مشرعةً على جولةٍ أُخرى من العنف والاحتراب، لا يمكن للهدنة أن تضمن عدم اندلاعها، خصوصاً أن السعودية قد تعمدت إبقاء خط المواجهة رهن هدنة غير مضمونة، فيما كان ينبغي أن تشرع الترتيبات في دمج القوات المتقاتلة وإعادة توزيعها عملياتيا بما يتفق مع الاستحقاقات الأساسية للحرب الدائرة في اليمن مع الانقلابيين الحوثيين.

لقد اكتفى المجلس الانتقالي بإعلان تراجعه عما يسميه "الإدارة الذاتية للجنوب" عبر تصريح  للمتحدث باسمه في بيان صدر عن المتحدث باسمه، في تصرف ينم عن استخفاف واضح بالجانب الآخر من الصراع وأعني به الشرعية، لذا لا يبدو مفاجئاً ما يقوم به هذا المجلس إذ لم لم يكف عن التصرف كقوة أمر واقع ليست على استعداد للتنازل عن مكاسبها على الأرض.

ففي محافظة أرخبيل سقطرى التي غابت بالكامل عن الآلية السعودية لتسريع اتفاق الرياض، تتواصل الاعتقالات بحق الرافضين لانقلاب المجلس الانتقالي الجنوبي الذي جرى في التاسع عشر من شهر حزيران/ يونيو الماضي بدعم كامل من القوات السعودية وكان آخرهم السكرتير الصحفي لمحافظ المحافظة ونجله البالغ من العمر أحد عشر عاماً.

 

تتبدى حالة الصراع التي تديرها السعودية والإمارات في اليمن ماضيةً ضمن مسار لا يشكل أي تماس مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، لأن الأمر يتعلق بأهداف سعودية إماراتية جيوسياسية منفصلة، رأى البلدان أن أقصر الطرق إلى تحقيقها هي توريط السلطة الشرعية في صراع جانبي مع الاجندة الانفصالية،

 


إنه سلوك تبدو معه "الإدارة الذاتية" إجراء ترفياً بالقياس إلى السطوة العسكرية والأمنية التي ضمنها الإماراتيون والسعوديون للانتقالي لتكريس نفوذه رغم الترتيبات ذات الطابع السياسي وآخرها إعلان الآلية الجديدة للتسريع في تنفيذ اتفاق الرياض.

إن استمرار الانتقالي في التصرف وكأن السلطة الشرعية غير موجودة في أرخبيل محافظة أرخبيل سقطرى على وجه الخصوص، لهو أمرٌ يتجاوز في دلالاته مسألة التعالي على نفوذ الشرعية المتضعضع بفعل التدخل السعودي الإماراتي، إلى ما هو أعمق من ذلك.

فهذه المحافظة الجُزُرية المشاطئة للمحيط الهندي، يُراد لها أن تخرج شيئاً فشيئاً عن كونها محافظة يمنية وخاضعة للسيادة اليمنية، وبالتالي أخرجت من نطاق المعالجات التي ضمنتها الآلية السعودية، وبقيت خارج هذه التفاهمات، بقصد تحويلها إلى فضاءٍ جيوسياسي تتصارع عليه أطراف عديدة، دولية وإقليمية.

ووضعية كهذه ستبدو معها القوات السعودية والإماراتية من خلال الاستحداثات العسكرية الجديدة والتي شملت إقامة العديد من الثكنات، وهي تقوم بخطوات دفاعية مستحقة في مواجهة "الأطماع غير العربية" وفقاً لما يرد في الخطاب السياسي والإعلامي لتحالف الإقليمي الداعم للثورة المضادة، مقترناً بالإشارة الصريحة إلى تركيا وقطر وما يفترض أنه حليفهما المحلي "الإخوان المسلمين".

في تقديري أن السعودية ومعها الإمارات يدفعان بالمجلس الانتقالي إلى مرحلة من التمكين السياسي، بحيث يصبح وجوده في الحكومة مع وجود أحزاب أخرى تسير في ذات الخط الذي يسير فيه تحت الرعاية السعودية الإماراتية، قادراً على إحداث الشلل الدستوري في أداء هذه الحكومة والسلطة الشرعية.

أي أننا قد نصل إلى صيغة تشبه إلى حد ما الثلث المعطل في التجربة اللبنانية، بحيث ينتقل الصراع من مرحلة المواجهات الميدانية وما تقتضيه من تفاهمات سياسية لاحقة عادة ما تتكفل بها الرياض، إلى صراع ذي طابع سياسي داخل الحكومة لا من خارجها، وبين طرفين متكافئين في القوة الدستورية هما سلطة الرئيس هادي التي لا تزال تمثل إلى حد ما مشروع الدولة اليمنية الاتحادية، وبين المشروع الانفصالي الذي ينهض به الدور ذي الطابع المرحلي للمجلس الانتقالي من داخل الحكومة هذه المرة.

وهكذا تتبدى حالة الصراع التي تديرها السعودية والإمارات في اليمن ماضيةً ضمن مسار لا يشكل أي تماس مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، لأن الأمر يتعلق بأهداف سعودية إماراتية جيوسياسية منفصلة، رأى البلدان أن أقصر الطرق إلى تحقيقها هي توريط السلطة الشرعية في صراع جانبي مع الاجندة الانفصالية، يُثقل كاهلها وجراحاتها الناتجة عن صراع طويل الأمد مع الحوثيين لم تستطع حتى الآن امتلاك أدوات حسمه التي يتحكم بها التحالف السعودي الإماراتي بشكل كامل، ومن ثم حملها مرغمة إلى التوقيع على تفاهمات تحسم الوضع في الجنوب بالضربة القاضية وهو الانفصال عن شمال الوطن قبل الشروع في هندسة وضع جديد للجزء الجنوبي المتشظي من اليمن.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"