في أعقاب انطلاق احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 2019، قلنا إن استخدام العنف المفرط ضد المحتجين السلميين، بما في ذلك استخدام العتاد الحي بغرض القتل، ليس أمرا «عرضيا»، أو «فرديا»، بل هو يشكل ممارسة منهجية تعمد إليها القوات العسكرية والأمنية، بمعزل عن طبيعة الأوامر الصادرة حول عدم استخدام العتاد الحي، أو الرمي بشكل مستقيم بغرض القتل، هذا إذا افترضنا جدلا وجود أوامر صريحة وصارمة بذلك! وفي كل مرة يتهرب الجميع من المسؤولية تجاه هذا «القتل» المجاني. وبعد سقوط الضحايا تكون اللغة الإنشائية هي الرد الحكومي الوحيد، مع بعض «التلميح» بأن ثمة «آخرين» ربما يكونون وراء هذا القتل، سواء سموا «مندسين» أو «طرفا ثالثا»، أو ابتكرت لهم وصفا آخر مستقبلا!


في أعقاب مقتل ثلاثة متظاهرين وجرح أكثر من 20 آخرين قبل أيام، صدر بيان عن الناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة، تحدث عن القوات الأمنية وقال إنها « تمتنع عن اللجوء للوسائل العنيفة، إلا في حال الضرورة القصوى وتعرض المنتسبين لخطر القتل»، وأنها تتعرض للاستفزاز « لغرض جرها إلى مواجهة مدفوعة الثمن من جهات لا تريد للعراق أن يستقر»، ثم تأتي وزارة الداخلية وتخبرنا بكل «سلاسة» أنها رصدت «مجموعات إجرامية خطيرة في ساحة التحرير، تسعى لصنع الفوضى عبر ضرب المتظاهرين من الداخل»، وإلى أن ثمة عناصر تحاول «تنفيذ أعمال اغتيال لنسبها إلى القوات الأمنية»!


منذ حركة الاحتجاج التي انطلقت في شباط/ فبراير 2011 وحتى أحداث ساحة التحرير الأخيرة التي وقعت ليلة 27 ـ 28 تموز/ يوليو الحالي، لم تحدث تظاهرة في العراق من دون ضحايا بين المدنيين، لا فرق إذا كانت التظاهرات ذات طبيعة سياسية أم مطلبية، أم كانت بسبب سوء الخدمات! باستثناء طبعا «المظاهرات» التي تديرها أحزاب أو القوى السياسية، فلا أحد يستطيع المساس بهذه «الاحتفاليات» بكل تأكيد!


بعد أحداث تشرين الأول، ظهر مصطلح «الطرف الثالث»، أو «المليشيات»، تبعا لتموضع الواصف، ولم يتهم أحد القوات العسكرية والأمنية، بمختلف صنوفها ومسمياتها، مع أنها كانت موجودة في مسرح الاحتجاجات وشريكة أصيلة في عمليات القتل والعنف المفرط. وكانت في أحسن تقدير «تغطي» على عمليات القتل التي يمارسها الطرف الأول. لا أحد يريد أن يعترف بأن قواتنا للعسكرية والأمنية، ليست مهنية، وأنها مسيسة، وهي مستعدة لإطلاق النار بالطريقة نفسها التي كانت تطلق بها النار قبل نيسان 2003 دفاعا عن النظام/ الطبقة السياسية القابضة على السلطة، من دون أن ترتجف يدها ولو للحظة!


في 23 نيسان/ أبريل 2013 هاجمت قوات سوات التابعة لوزارة الداخلية، مخيما لمعتصمين مدنيين وسلميين في الحويجة في محافظة كركوك، وتم قتل ما يزيد عن 50 شخصا بدم بارد، وتم التمثيل بجثثهم كما رأى الجميع في فيديو يوثق ذلك! وجاء في بيان وزارة الدفاع بعيد المجزرة، أن «مندسين من تنظيم القاعدة والبعث المنحل أطلقوا نيران أسلحتهم على قوات الجيش العراقي المتمركزة في المنطقة، ما دفع تلك القوات إلى الدفاع عن نفسها والرد بالمثل على النيران»! لكن اللجنة التحقيقية التي كلفت بالتحقيق في هذه الواقعة، كذّبت ضمنيا ما جاء في هذا البيان في اليوم التالي عندما قررت «عد جميع الضحايا الذين سقطوا في ساحة الاعتصام شهداء… وتتكفل الحكومة العراقية بعلاج الجرحى… وإطلاق سراح الموقوفين كافة في هذه الأحداث». ومرة أخرى لم يعاقب أحد حتى اللحظة عن تلك المجزرة.


لا تنظر القوات العسكرية والأمنية العراقية إلى نفسها بوصفها «قوة مكلفة بإنفاذ القانون»، بل بوصفها تمثل القانون نفسه، ومن ثم فإن من يخالف القانون، أو يتهم بذلك، أو يراد اتهامه بذلك اعتباطا، فهو «يتحدى» ممثلي القانون أنفسهم! فضلا عن أن فكرة «السلطة المطلقة» تتلبس الأفراد المنتمين لهذه القوات، بطريقة تبدو مرضية غالبا، بسبب نقص التدريب، وافتقاد المهنية، والبنية الذهنية/ الثقافية، ومن ثم فإن من «يتظاهر إنما هو يتحداهم شخصيا ويعترض على سلطتهم المطلقة، بمعزل عن طبيعة هؤلاء المتظاهرين، أو سبب تظاهرهم، لهذا فإن ردود أفعالهم تنطلق من هذين المعطيين بشكل أساسي!


لقد جاءت حكومة السيد مصطفى الكاظمي على حامل الحركة الاحتجاجية، والحكومة نفسها وصفت نفسها بأنها كذلك، ولكن البيانات الصادرة عن الناطقين الرسميين، ووزارة الداخلية، فشلت في تغيير الممارسة المنهجية التي اعتمدتها الحكومات المختلفة السابقة في التعامل مع حركات الاحتجاج، سواء على مستوى السلوك، أو على مستوى الخطابات الرسمية! ومن ثم هو مطالب اليوم بتغيير ذلك بشكل حقيقي، سواء عبر الاعتراف رسميا بأن عمليات القتل كانت نتيجة لسوء تصرف القوات الرسمية، والإدانة الصريحة لهذا السلوك أولا، وإحالة المتسببين في إطلاق النار العشوائي ضد المحتجين، بنية القتل، رؤساء ومرؤوسين، بتهمة مخالفة الأوامر الصادرة، كما يفترض، وبتهمة القتل العمد، وأخيرا بدء العمل المؤسسي طويل المدى على تغيير البنى الذهنية/ الثقافية لأفراد القوات العسكرية والأمنية، عبر التدريب، وعبر التأهيل، لتشكيل قوات مهنية حقيقية. وستكون نتائج اللجنة التحقيقية الملزمة بإعلان نتائجها خلال 72 ساعة هي المقياس الحقيقي عن الاتجاه الذي ستسير عليه الحكومة!

 

(القدس العربي)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"