يدرك الليبراليون بشكل متزايد أن الهوة الهائلة الناجمة عن عدم المساواة تكاد تفتك بالديمقراطية – ولكنهم مع ذلك يحجمون عن دعم شخصيات مثل كوربين وساندرز؛ لأنهم لا يؤيدون التغيير الجذري المطلوب من أجل إنقاذها من الهلاك.


 وبينما يناضل الإجماع النيوليبرالي في سبيل الحفاظ على الرضى الشعبي في خضم التحديات التي ترد من قبل اليسار واليمين، شهدت الساحة نشر عدد كبير من الكتب التي تحقق في "أزمة الديمقراطية" المزعومة من وجهة نظر يسارية ليبرالية تقليدية أو وسطية.


كولين كراوتش مفكر أثبت أنه متقدم جدا في معالجته لهذه المسألة. فكتابه "ما بعد الديمقراطية" الذي صدر في سنة 2004، سبق جميع علماء السياسة في قرع ناقوس الخطر. رأي كراوتش، تنبؤا، أن ما يقرب من ربع قرن من الهيمنة النيوليبرالية كان له تداعيات مدمرة على العمليات الديمقراطية.

 

توافقت الأحزاب السياسية المحافظة والديمقراطية الاجتماعية على حد سواء فيما بينها وبشكل كامل على جملة من الوصفات الاقتصادية الأساسية، وغدت نتيجة لذلك، وبشكل متزايد، جوفاء ومنقطعة عن قواعدها.


حينما تحدث كراوتش عن "ما بعد الديمقراطية" لم يكن يقصد الدكتاتورية أو أي شيء من ذلك القبيل، ولم يكن يعني أن شيئا من ذلك يوشك أن يفتح له المجال ليتشكل. بل يذر "ما بعد الديمقراطية" المؤسسات المتعارف عليها لليبرالية الديمقراطية في مواقعها دون أن يمسها سوء، وذلك إدراكا منه بأنها يمكن أن تحافظ على وجودها في غياب تناقضات عقائدية أساسية بين أصحاب التوجهات السياسية المختلفة؛ إذ أنه سيبقى بإمكان الناخبين اختيار شخصيات مختلفة لتحكمهم، رغم أن قدرتهم على تغيير سياسة الدولة باتت محدودة جدا. بدخول الألفية الجديدة، وطنت الديمقراطية الاجتماعية نفسها على تقبل انتصار النيوليبرالية من خلال الخضوع لتعاليمها المركزية، من اعتناق الخصخصة إلى تشذيب الدولة الرعوية باسم التنافس.


في آخر كتاب له بعنوان "ما بعد الديمقراطية بعد الأزمات"، يعيد كراوتش النظر في ما طرحه من قبل. توقيت نشر الكتاب ملائم ومحزن في الوقت نفسه. فحيث إن أزمة اقتصادية عالمية كبيرة تلوح في الأفق (بما يرافقها من بطالة جماعية واضطراب سياسي محتمل)، فقد ثبت أن الحديث عن الوجود "ما بعد الأزمات" جاء سابقا لأوانه. ولكن، مع انحسار الموجة الشعبوية اليسارية بعد الهزيمة المزدوجة الذي تكبدها اليسار بخسارة جيريمي كوربين وبيرني ساندرز، تبدو خافتة فرص أن تفرز الأزمة المحدقة انفتاحا ديمقراطيا متجددا – رغم أننا مازلنا ننتظر تدخل الأحداث.


الديمقراطية والدولة والسوق


عندما نُشر كتاب "ما بعد الديمقراطية" لأول مرة، لم تكن حماسة العولمة قد انطفأت جذوتها بعد. كان توماس فريدمان، ولزمن طويل، واحدا ممن تصدروا المشجعين لها، وهو الذي أطلق على تسليم السيادة السياسية والاقتصادية المحلية "القيد الذهبي"، قائلا؛ إن أي تراجع في الاستقلال السياسي سيعوضه النمو الاقتصادي المتسارع، وما يكفي من الواردات، التي ستبلغ المنظومات الدنيا في العالم فترضيها، وتحول بينها وبين البحث عن أي أفكار أخرى.


لم تكن وجهة نظر كرواتش حول العولمة بمثل هذه الثقة من قبل، وهو هنا يكرر ما لبث يقلقه منذ زمن طويل. (وبالفعل، حتى بالنسبة لفريدمان، فقد "القيد الذهبي" القديم جل بريقه). بالنسبة لكراوتش، نجم عن نقل السيادة من الحكومات الوطنية إلى الكيانات والمؤسسات متعددة الجنسيات – ناهيك عن المصارف المركزية – "انتزاع القرارات الاقتصادية الكبرى ونقلها إلى مستويات لا يمكن الوصول إليها من المواقع التي كانت الديمقراطية قد تركزت فيها: الدولة الوطنية"؛ إذ لم يؤد ذلك إلى ظهور كيان ديمقراطي عالمي، وفي الوقت نفسه لم تثبت المؤسسات الدولية أن لديها القدرة على توليد مثل هذا الكيان (فهي لم تتأسس أصلا لمثل هذه الغاية).


إلا أن العولمة كما نعلمها لم تكن أبدا عصية حتمية. لم تكن تواجه معارضة فقط من اليسار العمالي في السبعينيات والثمانينيات، من النمط الذي كان يقوده طوني بين، بما كان يرفع رايته من استراتيجية اقتصادية بديلة، بل يوثق أدوم غيتاتشو في كتابه "صياغة العالم ما بعد الإمبراطورية" كيف أن البديل الذي كان يقترحه أنصار النظام الاقتصادي العالمي الجديد – بما في ذلك شخصيات مثل جوليوس نايريري ومايكل مانلي وكوامي نكرومه – كان أيضا يتحدى العولمة النيوليبرالية من خلال اقتراح نظام دولي أكثر عدلا، يتمسك بحق البلدان التي نفضت الاستعمار عن كاهلها في تقرير المصير الاقتصادي والسياسي. لقد تمكنت حكومات العالم الشمالي، التي تتمتع بقوة فائقة، من التخلص من هذا التهديد، ومن الاستمرار في إخضاع مستعمراتها السابقة للنمط الذي تفضله من العولمة – وهو النمط الذي يقوم على استخلاص الموارد واستغلال العمالة الرخيصة – مهنئة نفسها طوال الوقت على حسن نواياها الليبرالية الديمقراطية.


وبعد أن نجحت العولمة في تقييد قدرة الحكومات الوطنية على تشكيل السياسة الاقتصادية، تمكنت العقيدة النيوليبرالية التي تقودها "من تحويل هذا التقويض للدولة الوطنية إلى ميزة". بالنسبة لكراوتش، يعتبر النيوليبراليون الحكومات "من حيث المبدأ كيانات منعدمة الكفاءة"، ولذا فقد سعوا إلى تعزيز نفوذ المؤسسات متعددة الجنسيات باعتبارها وسائل أكثر ديناميكية وأعلى كفاءة لتحقيق الرفاه الاقتصادي، إلا أن النيوليبرالية لم تكن تقتصر فقط على إضعاف الدولة – بل تتطلب بدلا من ذلك التدخل المستمر من قبل الدولة لإيجاد ورعاية الآليات التي تتحكم بالسوق، بالإضافة إلى عمليات الإنقاذ والدعم (كذلك الذي نراه في الأزمة الحالية). ولذلك لا يكاد يوجد أدنى صلة بين الخطاب الشعبوي النيوليبرالي المعادي للدولة، وما يمارسه النيوليبراليون على أرض الواقع داخل المنظومة الحاكمة.


يلخص كراوتش بشيء من التفصيل رد المؤسسات المالية العالمية على الأزمة المالية لعام 2008 – التي شكلت نموذجا واضحا للتناقض ما بين الخطاب والممارسة عند النيوليبراليين. لقد تم ضخ عشرات التريليونات من الدولارات في النظام البنكي، دون العودة إلى الناخبين، وذلك لوقاية النظام من ذاته. ومع ذلك، ألزم هؤلاء الناخبون بدفع الفاتورة على شكل تخفيضات قاسية في شبكات الحماية الاجتماعية بمجرد انتهاء الأزمة. ولما كان اليسار يعاني من حالة من الفوضى العارمة في كل أنحاء أوروبا تقريبا، كان المستفيد المباشر من السخط الذي تولد عن تلك الخطوة هو اليمين الرجعي.


ومع كل ذلك، ليس بإمكان كراوتش رؤية مخرج، بل يطالب بتعزيز المؤسسات الإقليمية حول العالم بمكون ديمقراطي، ولكنه لا يحدد كيف يمكن لمثل هذا الأمر أن يتحقق ولا بأي شكل. وتجده يدافع عن البرلمان الأوروبي منزوع الصلاحيات (الذي "قد يكون ضعيفا وفي حالة ما بعد الديمقراطية، ولكنه موجود")، ويصر على أنه ينبغي علينا "إيجاد طرق لتجذير هذه المؤسسات بشكل أفضل في حياة المواطنين الأوروبيين، بدلا من السخرية منهم بسبب انعدام نضجهم ديمقراطيا". لكنه لا يحدد من ذا الذي ستناط به مهمة هذا التجذير، ولن تجد الكثيرين في أوروبا – وبالتأكيد ليس أولئك الذين يشعرون بالالتزام تجاه تعزيز وتوسيع نطاق الديمقراطية – يضحكون.


يرى كراوتش أن المؤسسات الدولية (ويذكر منها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي) قد "غيرت من مقاربتها تجاه انعدام المساواة والضريبة التي يعاد توزيعها والحاجة إلى إجراء شعبي بناء"، بل ويؤكد أن هذا التحول الظاهر إنما حصل "بالضبط لأن لديها نظرة دولية ولأنها ليست مقيدة بأي محاور سياسية." ويرى أن البديل للتكنوقراطية الذي يتشكل على أعين تلك المؤسسات أشد سوءا؛ "إذ إن خيارنا بات بين ذلك وبين اقتصاد عالمي بلا ديمقراطية على الإطلاق".

 

إلا أن أي تنازلات للهرطقة الاقتصادية قد تكون صدرت متأخرة عن صندوق النقد الدولي وشركاه – وهو مؤسسات في غاية القوة ولا تخضع لأي محاسبة شعبية –، إنما تأتي بهدف إنقاذ الوضع القائم وهو وضع بطبيعته لا يعرف العدالة ولا المساواة وأبعد ما يكون عن الممارسة الديمقراطية، وتجديده من خلال الاستفادة من أفكار خصومه بعد اقتناصها.


الليبرالية ضد الديمقراطية


يمكن تفسير حيرة كراوتش، جزئيا من خلال رؤيته الوردية نوعا ما لسجل الليبرالية الحقيقي في التعامل مع الديمقراطية – ليس فقط خلال الأربعين سنة الماضية، وإنما عبر التاريخ. يقوده تقديره لليبرالية إلى القبول بتبريرها لذاتها كما هو دون تمحيص. يشيد كراوتش بإقرار الليبرالية الظاهر بأن "ما لدى الإنسان من علم، لا يمكن الجزم به، وأنه حتى المعتقدات الراسخة قد يثبت أنها خاطئة"، وأنها بناء على ذلك "متسامحة مع التنوع ومع المقاربات التي قد لا يكون المرء متعاطفا معها شخصيا"، وكان أنطوني أربلاستر قد عارض مثل هذا الموقف قبل خمسة وثلاثين عاما، حين قال: "كانت الليبرالية، ولم تزل في بعض أشكالها حتى اليوم، عقائدية مثلها مثل الأيديولوجيات المنافسة لها التي ما فتئ الليبراليون ينددون بها".


لا نحتاج لأن نذهب لأبعد من السنوات القليلة الماضية بحثا عن الدليل؛ ففي داخل الوسط الليبرالي – حيث تسود المسالك المعادية للديمقراطية، وبشكل يبعث على القلق – كان رد الفعل على التحديات التي شكلها كوربين وساندرز (علما بأن أيا منهما لم يرد ذكره بالاسم في كتاب كراوتش) يتسم بالعداوة المريرة، فقد تمت شيطنة كوربين بشكل لم تشهده الحياة السياسية البريطانية منذ ثمانينيات القرن العشرين، عندما كانت تسطع في سمائها نجوم شخصيات مثل طوني بين وآرثر سكارغيل وحقبة كين ليفنغستون داخل مجلس مدينة لندن الكبرى. استغرقت الحملة ضده ما يزيد عن أربعة أعوام، ولكنها تمكنت في النهاية من تحطيمه. وفي حالة ساندرز، استنفرت القوة البيروقراطية لآلة الحزب الديمقراطي من أجل سحق تمرده للمرة الثانية. لكن لا كوربين ولا ساندرز اختبرا بشكل جدي حدود الديمقراطية الاجتماعية لمعسكر اليسار. كل ما احتاجه الأمر هو أن يقترح هذان الاشتراكيان المخضرمان إصلاحات من النوع الذي كان يسار الوسط في الحقبة الكينيزية يعتبرها مطالب عادية.


ينسب كراوتش ارتكاس الديمقراطية الليبرالية إلى تفاقم عدم المساواة وإلى النفوذ الوخيم لمن يمارسون الضغط نيابة عن المؤسسات التجارية – يتحدث عن "إفساد الديمقراطية الليبرالية بالثروة" – لكن لا يبدو أنه يرى المعادات للديمقراطية التي ينبض بها قلب العقيدة الليبرالية. إذا كانت الليبرالية ملتزمة بالدفع قدما بالديمقراطية، فيتوجب علينا أن نسأل لماذا استغرق العمال وقتا طويلا لنيل ما اقتنصوه منها من مكاسب. لا بد من إخضاع فرضية أن الليبرالية لا تنفصم عن الديمقراطية للفحص والتدقيق، وذلك أن نظرة سريعة على سجلها تثبت أن الخوف الليبرالي من الديمقراطية جذوره عميقة.


وكما يقول سي. بي. ماكفيرسون في كتابه "عالم الديمقراطية الحقيقي"، كانت الديمقراطية في الأصل تفسر من قبل النخب – بما في ذلك النخب الليبرالية – على أنها مهددة "لحكم العوام من الناس"، باعتبارها "عقيدة مساواة"، وكان يندد بها على هذا الأساس. وكما يقول ماكفيرسون، لم تزل الليبرالية ولوقت طويل مهيمنة في الدولة وفي المجتمع المدني قبل أن يتم بنجاح إلصاق الديمقراطية الجماهيرية بها، كما لو كانت "الطبقة العليا" التي تحلى بها الكعكة. ولكن، وكما يقر ماكفيرسون، يعود الفضل في تطويع الليبرالية للضغوط الديمقراطية إلى بعض من التعاليم المتضمنة في الفلسفة الليبرالية ذاتها، وخاصة تلك التي تعتبرها الليبرالية من مكوناتها الأصيلة – ومنها أن القوى العاملة من حقها أن تحتل موقعها في السوق السياسي، وأن تمارس حقها في الاستهلاك وفي الاختيار من بين الخيارات التي توضع أمامها.


كان بعض المنظرين الليبراليين أكثر معاداة للديمقراطية من البعض الآخر. ومن هؤلاء نقيب النيوليبراليين فريدريك حايك الذي عبر بفصاحة عن تفضيله للدكتاتورية "الليبرالية" على الديمقراطية غير الليبرالية.

 

يتسم موقفه بالصراحة على الأقل، ويذكر في هذا الصدد أن التناقض بين الليبرالية السياسية والاقتصادية – بين الالتزام الاسمي بالتعددية السياسية والدفاع عن الملكية الخاصة – يظل من الأمور المعضلة التي لم تتمكن الليبرالية أبدا من حلها بشكل يبعث على الرضى؛ ففي أحلك الظروف، يعني ذلك التخلي عن الأولى لضمان الثانية، وقد شهدنا بعض الليبراليين السابقين (بما فيهم حايك) يلقون بثقلهم مع الجنرالات. وتستمر أشكال من اضطهاد الناخبين وتزييف النتائج الذي يمارس بشكل يومي في الانتشار في الديمقراطيات الليبرالية "المتقدمة" في شمال العالم حتى يومنا هذا، الأمر الذي يؤدي بشكل أساسي إلى تقويض الطبقة العاملة، وبالذات بين الملونين من الناس.


يبدو كراوتش مترددا في القبول بأن امتيازات حقوق رأس المال تتصادم لا محالة مع المصالح الديمقراطية، وتجده يتحسر بإخلاص على تركز كم هائل من الثروة والنفوذ في أيدي القلة القليلة من الناس، ويتساءل "ما إذا كانت الرأسمالية والديمقراطية اليوم يعزز بعضهما بعضا كما كانا من قبل أو باتا بالفعل متناقضين ينافس بعضهما بعضا". ولكنه لا يتجاوز طرح السؤال، ويستمر في البحث عن إجابة وعن حل، ليخلص إلى القول بأنه في مجتمع تم إخضاعه للسوق، لربما يكمن خلاصنا في آليات للسوق تكون أكثر فعالية. ولكنه لا يتوسع في شرح كيف يمكن لمثل هذا الوضع أن يتحقق، كما لا تجد فيما يقوله إقرارا بما يمكن أن يولده أي تخفيض كبير في انعدام المساواة داخل المجتمع من صراع سياسي لا مفر منه.


والحقيقة هي أن تقييد الإصلاحيين الذين يتجاوزون حدودهم بات يتطلب القليل نسبيا. ما أطلق عليه آدم بريزوورسكي "آليات معادية للأكثريات" بما في ذلك البنوك المركزية المستقلة والمراجعات القضائية وتسويات النزاعات بين المستثمرين والدولة والقيود المالية المشرعنة في الدستور – تفضي كلها إلى تحصين الملكية الخاصة من الأقل ثراء. أما الحكومات التي "تذهب بعيدا" في منح العمال مزيدا من الحقوق أو في اتخاذ المزيد من إجراءات الرعاية الاجتماعية، فإنها تعرض نفسها لخطر هروب رأس المال والإضراب عن الاستثمار، الأمر الذي يشكل عائقا كبيرا في مواجهة حتى أبسط الإصلاحات الديمقراطية الاجتماعية. ورغم كل القلق الذي يتم التعبير عنه حول الوضع الصحي للديمقراطية الليبرالية في الدوائر الأكاديمية ومن خلال التعليقات التحليلية الوسطية، لا توجد لدى رأس المال هواجس بشأن اللجوء إلى إجراء مباشر من قبله يتجاوز البرلمان.

 

ترجمة خاصة لـ"عربي21" من مجلة "ذي تريبيون"

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"