-1-
كما كان متوقعا ؛ جائحة كورونا جلبت جائحة الحكم العرفي وسحق الحريات ، وفتحت شهية الدكتاتور الكامن حتى في أعماق أكثر البلاد ديمقراطية ، فما بالك بالديمقراطيات التي تحبو ، أو تحكمها مافيا حكم سلطوية؟


منظمة هيومن رايتس ووتش قالت إن دولا عديدة عبر العالم تستغل انتشار فيروس كورونا لارتكاب المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان والتضييق على الحريات. وحسب تقرير للمنظمة، فإن من بين تلك الدول مصر والصين والهند وميانمار وكمبوديا، ودولا أخرى عديدة.


وأظهر التقرير أن المسؤولين الحكوميين في مصر وميانمار والهند والصين والولايات المتحدة وزيمبابوي -على سبيل المثال- كانوا من بين أكثر المسؤولين في دول العالم إنكارا بشأن تقديم معلومات دقيقة حول تفشي الفيروس، وقال أن السلطات في كل من مصر والصين وميانمار وإثيوبيا قامت باعتقال أو احتجاز أو طرد صحفيين وغيرهم، بسبب قيامهم بالتعبير عن آرائهم حول تفشي كورونا عبر وسائل التواصل الاجتماعي!


تقرير آخر لصحيفة "نيويورك تايمز" حذر من استغلال الحكام المستبدين وغيرهم لأزمة كورونا، من أجل تعزيز قبضتهم في السلطة عبر الإجراءات غير المسبوقة التي يتم اتخاذها تحت ذريعة الحد من انتشار الفيروس، التقرير قال أن بعض الدول تستغل الجائحة لقمع المعارضة كما في الأردن،  حسب التقرير، حيث قال رئيس الوزراء عمر الرزاز إن حكومته "ستتعامل بحزم" مع أي شخص ينشر "الشائعات والتلفيق والأخبار الكاذبة" التي تثير الذعر. وقد أدلى بهذه التحذيرات بعد أن أعطى "قانون الدفاع" الطارئ مساحة واسعة لسلطاته.


وكذلك الأمر في تايلاند حيث فرض رئيس الوزراء برايوث تشان أوشا حظر التجوال والرقابة على وسائل الإعلام. فيما تمت مقاضاة صحفيين هناك وترهيبهم لانتقادهم رد فعل الحكومة على تفشي المرض.


في أنحاء أخرى من العالم، أحيت قوانين الطوارئ الجديدة المخاوف القديمة من الأحكام العرفية. فقد مرر الكونغرس الفلبيني تشريعا يمنح الرئيس رودريغو دوتيرتي سلطات طوارئ و 5.4 مليار دولار للتعامل مع الوباء.


الوباء أعاد تعريف القواعد والأعراف المعمول بها بالفعل وفق التقرير. مستشهدا بكوريا الجنوبية وسنغافورة اللتين رحب كثيرون بأنظمة المراقبة التي اتبعتها الدولتان للحد من الفيروس، فيما كانت تقابل مثل تلك الإجراءات في الوضع الطبيعي، بالانتقاد والتنديد.


والحكومات التي انتقدت الصين في البداية لوضعها الملايين من مواطنيها تحت الحصار بسبب الوباء، أصبحت تحذو حذوها الآن. في تشيلي استغلت السلطات جائحة كورونا لإعلان الطوارئ، وأسهم نزول الجيش في الشوارع في كتم أصوات المعارضة القوية التي هزت البلاد لعدة شهور. وتسبب وباء كورونا المعروف باسم كوفيد-19 أيضا في تأجيل الانتخابات الرئاسية البوليفية التي كانت مقررة في أوائل مايو، بعد ما أثارت الانتخابات المتنازع عليها العام الماضي احتجاجات عنيفة وأجبرت الرئيس إيفو موراليس على الاستقالة.


وفي المجر، منح قانون جديد رئيس الوزراء فيكتور أوربان السلطة لتجاوز البرلمان وتعليق القوانين القائمة. أوربان، الذي أعلن حالة الطوارئ هذا الشهر ، لديه الآن السلطة الوحيدة لإنهائها، ولم يقتصر الأمر على هذه الدول، بل امتدت الإجراءات القمع والمراقبة لمناطق أخرى تصنف بأنها "ديمقراطية" منها بريطانيا والكيان الصهيوني، ومن رأى هجوم الشرطة الصهيونية على المتظاهرين الإسرائيليين أمام منزل نتنياهو مطالبين برحيله، يحسب أن المشهد يعود لدولة من العالم الرابع، لا لكيان يدعي أنه واحة ديمقراطية في صحراء من الدول الدكتاتورية!


-2-
في العالم العربي كانت الصورة أكثر بشاعة، كما هي العادة، فقد شهدت مصر وتونس والمغرب والجزائر والأردن وغيرها انتهاكات متعددة، وتميزت في الأردن بأنها نحت منحى مفاجئا وغير متوقع، إذ صبت السلطات جام غضبها على أكبر نقابة منتخبة في البلاد وهي نقابة المعلمين، التي تمثل ما يزيد عن مائة وخمسين ألف معلم، واعتقلت مجلس إدارتها على نحو أفزع نشطاء حقوق الإنسان، وهز ضمير المجتمع، إذ تعاملت مع قادة النقابة كما تعامل عتاة المجرمين، في مشهد بدا أنه يستهدف إرسال رسالة شديدة اللهجة لكل من يطالب بحقوقه!

إن الهجمة على نقابة المعلمين ومعاملة قادتها على نحو مهين، لا يمكن أن يفسر إلا أنه محاولة لكسر المعلم ممثلا بنقابته، علما بأن ثمة اتفاقا على أن السلطة التي تهين المعلم، تنتج أجيالا مكسورة، ومجتمعا خانعا، ودولة فاشلة!


وبهذا انضمت نقابة المعلمين لسلسلة من الهيئات المنتخبة التي تم حلها واستبدلت قياداتها بلجان مؤقتة معينة من السلطات، حيث تم حل لجان الإدارات المنتخبة في نادي الوحدات واتحاد طلبة الجامعة الأردنية ونقابة الأطباء ومن قبل سيطرت السلطات على جمعية المركز الإسلامي، التابعة للإخوان المسلمين الذين أعلنوا هم أيضا تنظيما غير "قانوني" وبحكم المنحل!


لقد أعاد مشهد اعتقال قيادة نقابة المعلمين إلى الأذهان مشهد حل رابطة الكتاب الأردنيين التي حلت بقرار عرفي صادر من الحاكم العسكري، بتاريخ 17/6/1987، وقد قوبل هذا القرار بالرفض من أعضاء الرابطة وهيئتها الإدارية، ومن الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، الذي استمر في عدّها عضواً فيه، وأعيد فتحها بتاريخ 15/12/1989 بعد انفراج الأحوال السياسية. ومن غرائب الصدف أن حل الرابطة تم زمن الحكم العرفي، فيما حلت الهيئة الإدارية لنقابة المعلمين في ذروة تغني الإعلام الرسمي بكون الأردن دولة مؤسسات، وفيه مجلس نواب منتخب، يجري حله هو الآخر عادة قبل أن يتم مدته، كما درجت العادة منذ سنوات!


لقد بدا أن الجائحة كانت في غير مكان ذريعة للقمع والقهر، استجابة لظروف داخلية وأحيانا لضغط خارجي، ومن غرائب الصدف أن يعلن الأردن عن موعد جديد للانتخابات النيابية بعيد حل مجلس المعلمين المنتخب، وبقرار غير قضائي، في مشهد أثار جدلا قانونيا بشأن مدى انسجامه مع القوانين النافذة.

 

الأمر الذي ينذر بمستقبل غامض للحالة الديمقراطية التي تعاني من أمراض مزمنة أصلا، جعلتها أقرب إلى الديكور منها إلى المشهد الأصيل!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"