أعلنت السلطة الفلسطينية أنها أوقفت التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني والعمل بالاتفاقيات مع الصهاينة بعد أن أعلن رئيس وزراء الصهاينة نيته تشريع قانون بضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى كيانه الصهيوني، بخاصة في منطقة الأغوار.

 

ومن الملاحظ أن إعلان السلطة لم يقل بإلغاء الاتفاقيات، وإنما وقف العمل بها، ما يعني أن احتمال العودة إلى تفعيل الاتفاقيات قائم، بخاصة أن السلطة حتى الآن لم تغلق الباب أمام المفاوضات، أو أمام مشاركة الولايات المتحدة بالمفاوضات.

 

السلطة تقول إنها ترفض احتكار الولايات المتحدة لتفعيل المفاوضات، وإنما لا مانع لديها أن تكون عضوا من مجموعة دول تعمل على رعاية العملية التفاوضية. وهذا بالضبط لا يلبي التطلعات الفلسطينية ولا ما يعبر عنه الرأي العام الفلسطيني. 

تحدثت حول هذا الموضوع في وسائل الإعلام بخاصة على موقع "عربي21" وكتبت حول ما يترتب عن هذا من تداعيات وتبعات، وقلت إن علينا أن نصبر حتى تضع السلطة خططها وتبلغ الناس بها، لنرى فيما إذا كانت جادة بالموضوع أم لا. نحن ننتظر على مدى لا بأس بطوله من الزمن ولا نرى شيئا سوى لقاءات تتم بين رموز فتحاوية وأخرى حمساوية ودون أن نعلم عما يجري سوى عبارات التآخي والمصير المشترك التي لم يعد الشعب يلقي لها آذانا. 

من زاوية التنسيق الأمني قال بعض قادة الصهاينة الأمنيين والعسكريين إن التنسيق الأمني لم يتوقف، ولم تعلق السلطة الفلسطينية على أقوالهم. ومجرد الصمت حول الموضوع يعني أن الصهاينة يقولون الحقيقة. وعلى الصعيد الداخلي، لا نرى أن السلطة قد توقفت عن ملاحقة مناضلين فلسطينيين يتحرقون شوقا للقاء الصهاينة في ميدان التحدي. 

 

من المتوقع إذا كانت السلطة الفلسطينية جادة في وقف العمل بالاتفاقيات أن تقوم السلطة بخطوتين مهمتين: أولهما إقالة رئيس الحكومة الحالي، وتعيين رئيس حكومة آخر مقرب من المقاومة الفلسطينية وحركة حماس بالتحديد. والخطوة الثانية تتمثل بالعمل السريع على توحيد الصف الفلسطيني

 

في مثل هذه الحالات التي يتحقق فيها فشل ذريع، تجتمع الفئة الفاشلة وتتخذ الخطوات المتناسبة مع الفشل. منظمة التحرير الفلسطينية ومعها السلطة الفلسطينية التي يرأسها بصورة غير شرعية رئيس منظمة التحرير استهلكت سبعة وعشرين عاما من عمر الشعب الفلسطيني، وأمطرته بالتضليل والكذب والهرطقات على مدى هذه السنوات. منّته بالخير الوفير، والدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف والرخاء الاقتصادي، الخ، ولكنها في الحقيقة جرته إلى الانفراط الاجتماعي والتدهور الأخلاقي وانحطاط مكانة القضية الفلسطينية على الساحات العالمية والإقليمية والمحلية، وشقت الصفوف، وتسببت في اقتتال داخلي دموي، وفرطت في عرى الثقافة الوطنية الفلسطينية. لقد أدخلت الشعب الفلسطيني بأزمات وضائقات عديدة، وورطته بالمزيد مع الاحتلال الصهيوني. والمصيبة أن الشعب الفلسطيني بقيادة السلطة الفلسطينية تحول إلى وكيل للاحتلال يدافع عن أمنه ويتمادى في التطبيع معه. 

تتمثل الخطوة التي يجب أن تقوم بها الفئة الفاشلة في غروبها عن وجوه الناس. الذين يستحون ويعرفون الأصول لا يبقون ساعة واحدة في المسؤولية عندما يثبت فشلهم. طغمة السلطة الفلسطينية ما زالت تتبجح وتبحث عن دولة بين أنقاض متناثرة للقضية الفلسطينية والتي تتطلِب جهودا مخلصة ضخمة للم فتاتها وإعادتها إلى مكانتها السابقة في المحافل الدولية والعربية والإسلامية والفلسطينية. هؤلاء لا يخجلون من الظهور على التلفاز ويرددون مقولات الصمود والصبر وحتمية تحقيق الأماني وآمال الفلسطينيين.  

كان من المتوقع إذا كانت السلطة الفلسطينية جادة في وقف العمل بالاتفاقيات أن تقوم السلطة بخطوتين مهمتين: أولهما إقالة رئيس الحكومة الحالي، وتعيين رئيس حكومة آخر مقرب من المقاومة الفلسطينية وحركة حماس بالتحديد. والخطوة الثانية تتمثل بالعمل السريع على توحيد الصف الفلسطيني بخاصة أن المسبب الأول للصراعات الداخلية الفلسطينية وهو اتفاق أوسلو قد أصبح خلف ظهورنا. لكن السلطة لم تقم بأي من هاتين الخطوتين، وبالتالي تركت رسالة هامة جدا للصهاينة والأمريكيين بأنها لن تغادر اتفاق أوسلو وما ترتب عليه من تداعيات واشتراطات أمنية صهيونية.  أي أن السلطة تبعث برسائل للجميع أنها ما زالت ضمن مربع التفاوض، وثقتها بمسيرة التفاوض الفاشلة ما زالت قائمة. وهي بالتالي تضع التفاوض على رأس أولوياتها ولو كان ذلك على حساب الوحدة الوطنية الفلسطينية. لكن لا يبدو أن الفصائل الفلسطينية تدرك أو تريد أن تدرك هذه الرسائل، وتستمر في سياساتها المزمنة وهي الهروب من تحمل المسؤولية والمحافظة على امتيازات تحصل عليها من السلطة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"