أبدى شيخ الأزهر تمايزا واضحا عن مجمل هياكل المؤسسة الدينية المصرية، وبكلمة أدقّ ظهر الرجل أكثر رصانة من رأسيّ الأوقاف والإفتاء في مصر، سواء في المواقف الدينية تجاه أطروحات تيارات الحداثة والتغريب، بما في ذلك بعض فذلكات رأس الدولة المصريّة، أو في الشخصية المعتدّة بذاتها إزاء الشخصية السياسية، وهو الأمر الذي أثار إعجاب حتّى مناوئي النظام المصري. بيد أنّه لم يكن لشيخ الأزهر أن يذهب أكثر من ذلك، فالمؤسسة الدينية داخلة في سلطان الدولة، ولا تُعبّر عن حالة علمائية مستقلّة، وفي أقصى ما يمكن بلوغه من إحسان الظنّ، فإنّ المواءمات السياسيّة، وصراعات مراكز النفوذ، وادعاءات المصلحة، تدفع رأس الأزهر لمواءمات مع النظام السياسيّ، من قبيل ما نشره الأزهر أخيرا من تهنئة للسيسي، بالذكرى السابعة لما يُدعى بـ"ثورة 30 يونيو"، وهي المقدّمة الشعبية المفتعلة مخابراتيّا للانقلاب على حاكم شرعيّ، وسفك دماء الآلاف، وإدخال البلد، فالمنطقة، في نفق مظلم من الطغيان والاستبداد واستباحة حرمات الناس، بل ودينهم!

والحال هذه، لا يمكن توقّع شيء آخر، طالما أنّه لا مؤسسة علميّة مستقلّة عن سلطان الدولة الحديثة. ومهما خرج للحيّز العامّ رجل من المؤسسة الدينية أفضل حالا من سابقيه ولاحقيه، فإنّه، وبالضرورة، موظّف دولة، بما يحصره في حدوده الوظيفية المفتقرة إلى الهوامش الكافية لفرض الشخصية العلمية السنّية المستقلّة، وما ينبغي أن تحقّقه من مقاصد شرعية ضمن ظروف العلاقة الملتبسة مع الدولة وأنظمتها السياسيّة المتقلّبة.

 

إشكالية أعمق في الوسط العلميّ السنّي، تفسّر جانبا مركزيّا من المعضلة، ولا سيما في مصر ذات الثقل في هذا الجانب، لما يمثّله الحضور الأزهريّ فيها، وهي المنافسة بين ثلاث قوى تشتغل في هذا الوسط، وهي الحركية الإسلامية بتياراتها، وخاصّة الإخوانية منها، والأشعرية المذهبية، والسلفية بتجلياتها


وإذا أمكن فهم ذلك، فإنّه لا يمكن تجاوزه قبل استحضار إشكالية أعمق في الوسط العلميّ السنّي، تفسّر جانبا مركزيّا من المعضلة، ولا سيما في مصر ذات الثقل في هذا الجانب، لما يمثّله الحضور الأزهريّ فيها، وهي المنافسة بين ثلاث قوى تشتغل في هذا الوسط، وهي الحركية الإسلامية بتياراتها، وخاصّة الإخوانية منها، والأشعرية المذهبية، والسلفية بتجلياتها المتعددة. ومن نافلة القول، إنّ الأزهر في الجملة يندرج في التيار الأشعري، ويفترض بهذا الاعتبار أنّ يكون مؤسسة علميّة صرفة، متعالية على الانشغالات السياسيّة التي تنشغل بها عادة الحركيّة الإسلامية.

وفي حين لا يخفى الصراع السلفي الأشعري، وجذوره وحيثياته، كما لا يخفى وجود تيار ينتسب للسلفيّة لا يجعل الأشعريّة غرضه الوحيد، بل والحركيين، ولا سيّما الإخوان، وهو ما يعرف بالجامية المدخلية، فضلا عن صراعات أكثر تقاطعا والتباسا من ذلك، فإنّ الأشعريّة في فورتها الحاصلة في الآونة الأخيرة تضمّ تجلّيات تجعل من الحركيّة، ولا سيما الإخوانية منها غرضا لها، بالإضافة لاشتغالها في نقد الوهابية السلفيّة والتيمية، ومحاولة إحياء الأنماط العلميّة التراثية.

وبالرغم من كلّ ما يمكن قوله من مديح لهذه الفورة، خاصّة وهي ضرورية لمواجهة الانفلات الديني على مستوى الفكر والفتوى، وما تمثّله من مأوى مع الانهيار السياسي الحاصل والفشل الجاري حتّى اللحظة في مشاريع الإسلاميين، والحاجة للاشتغال العلمي غير المسيّس، فإنّ هذه الفورة، في بعض تلك التجلّيات أخذت صورة المحازبة، على الضدّ من الحزبيّة الحركية، فصارت وجها حزبيّا آخر، ولكن من موقع مختلف.

 

هذه الفورة، في بعض تلك التجلّيات أخذت صورة المحازبة، على الضدّ من الحزبيّة الحركية، فصارت وجها حزبيّا آخر، ولكن من موقع مختلف


ولا شكّ في أنّه يمكن تفسير ذلك بعوامل متعدّدة، منها الاشتغال في ساحات مشتركة، كساحة الخطاب الديني، وعدم تفهّم التنوّع الجاري، بين الحركيّ الذي لا يكاد يستوعب اشتغالا علميّا لا تظهر ثمرته في الواقع السياسي أو الاجتماعي، وبين العلميّ الذي يلحظ تسييسا سافرا للعلم، يعيد توظيفه وتغييره، خاصّة مع تضخّم السياسي في الحركة الإسلامية على حساب العلميّ والشرعيّ. وهذا بالإضافة لاتهام أوساط في التيار الأشعري للحركة الإسلامية بأنّها كانت "حصان طروادة للوهابية" في العالم السنّي، وكذا الاضطراب الحاصل في السياسة الشرعية لدى الطرفين؛ الحركيين والمتمذهبين من خارجهم، وفي فهم التاريخ، كمطابقة بعضهم الدولة الحديثة مع نماذجنا السلطوية التاريخية، وسوء الفهم، كما سلف، لحيثيات ظهور كل طرف. فالحركية في أساسها، حتّى لو تخفّفت كثيرا من تلك الأسس، ظهرت ردّا على عمليات الاستعمار والتغريب في ظلّ ضعف المؤسسة الدينية، فحلّت مكانها في وقت ما، وانطبعت بإرادة التجميع والحشد لهذا الاعتبار.

تبلورت عن ذلك اتجاهات مختلفة في الوسط العلمي الأشعري المذهبي، وبعد استثناء من ينتسب للحركة الإسلامية منه، ومن يستغرق في الانشغال العلمي الصرف دون تعليق على قضايا المجال العامّ، تبقى اتجاهات تتبنّى خطابا متفاوتا في الموقف من الحركة الإسلامية، وعلى وجه الخصوص الإخوانية منها، من النقد المعقول والمطلوب، إلى العداء الكامل، وموالاة الدولة ضدّها. وفي الوسط تتشكّل تلك الحالة من المحازبة، كأيّ حالة حزبيّة تتوسّل العلم والخطاب الديني في القضايا السياسيّة.

تظهر هذه المحازبة بجلاء، في تعظيم بعض الاتجاهات داخل هذا التيار لشخصيات دينية مشكلة، ومتورّطة بعلاقات موالاة مفضوحة لأنظمة سياسية ذات طبيعة إجرامية وتدميرية، هذه الشخصيات لم تتورّط في خطاب دعم مفتوح لتلك الأنظمة فحسب، ولا بالتموّل منها فحسب، بل وبتناقضات دينية متلوّنة، هي عينها ما يعيبه الفاعلون في التيار الأشعري المذهبي على الإسلاميين الحركيين. ويمكن لو اتسع المقام؛ سردُ العديد من المخالفات لمعتمدات المذاهب الأربعة، في فتاوى أو مسلكيّات بعض تلك الشخصيات، وهذه القضية من أهم قضايا الانشغال المذهبي الأشعري المعاصر، أيْ ضبط الفتوى وفق المنظومة السنّية المتمثلة في المذاهب الأربعة.

 

تظهر هذه المحازبة بجلاء، في تعظيم بعض الاتجاهات داخل هذا التيار لشخصيات دينية مشكلة، ومتورّطة بعلاقات موالاة مفضوحة لأنظمة سياسية ذات طبيعة إجرامية وتدميرية


وبالعودة إلى موقف الأزهر الموصوف أعلاه، فإنّ هذه المحازبة ستتجمع حول مثل هذا الموقف كما هي العادة، والخطير في ذلك ضرب المصداقية الدينية، بما في ذلك الإحيائية المذهبية الجديدة، التي تروم إحياء علوم أهل السنة، ورفعها فوق مستوى الانشغال السياسي. فليس الحركيّون وحدهم الذين يسيّسون العلم، أو يتناقضون في خطابهم الديني، كما أنّ موالاة الظلمة، وهو أخطر، يسيء لمفهوم أهل السنة بحصره في قضايا عقدية ومطالب فقهية محدّدة بمعزل عن المقاصد الكلّيّة الكبرى التي أنزل الكتاب لأجلها: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ".. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ".. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ".

twitter.com/sariorabi

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"