أغلب الظن أن السامري في قصة النبي موسى عليه السلام كان نحاتاً بارعاً، ويلعب بالبيضة والحجر، وأنه كان نهازاً للفرص. وبرهان ذلك أنه قبض قبضة من أثر الرسول، واستغلّ غياب النبي موسى الذي عَجِل إلى ربه ليرضى، فأخذ حليّ القوم الناجين من الفرعون. وكانت الغنائم لا تحلّ في دينهم، فصهر الذهب وطبخ لهم ديناً جديداً، وصنع للقوم عجلاً جسداً له خوار، وجعل أمعاءه من قصب، ودبره قابل الريح، تنفخ الريح في دبر الصنم فتصدر صوتاً مثل خوار العجل.

لم تكن للسامري مزرعة أبقار، ولم يكن كاوبوي، كان رجلاً يحنُّ إلى الوثنية. الانكفاء سهل، الارتقاء شاق.

يقول علماء الاجتماع إنَّ البشر جميعاً سادة ومستعبدين، يميلون إلى الارتداع أو الاهتداء بالقوة، إلا من رحم الله، وما يوافق أثرا شهيرا هو: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وكان العجل أقوى الحيوانات في مصر، وهو معبودهم، فهو الذي يحرث الأرض. وتضيف روايات سبباً آخر لتقديسه هو أنَّ قرنه يشبه الهلال المنير في السماء. وتضيف رواية سبباً ثالثاً هو أنَّ البقرة، أم العجل، مصدر اللبن والحياة، فالعجل يجمع قوة العضل مع قوة الرمز والغذاء والشراب وعاطفة الحنان، وقوة الأرض مع قوة السماء.

العجل الذهبي:

ثم إنَّه مع الأيام ظهر فرعون جديد، اسمه أنو بيس الثاني، وكان يغار من أبيه، ويشكو من صوت العجل الذي أصابه الوهن من الترسبات والأتربة، ورياح الخماسين، والإمساك في دبر العجل، فضعف خواره، وخَنُس بوقه.

سأل الفرعون أنو بيس الثاني، الكاهن، حفيد السامري الأول، في أن يحسِّن صوت الخوار، فقام الكاهن ببعض الإصلاحات الموسيقية، وسلك المزمار في جوف العجل، وأصلح من ثقوبه، فإذا عزفت الريح أصدر القصب في جوفه خواراً طرب له القوم وخشعوا، وتبتّلوا وركعوا.

الحمار الذهبي:

وذكر المؤرخون أنَّ الفرعون أدب سيس العاشر كان يفضّل الخيل على العجول، واستفتى السامري الثاني في استبدال صنم العجل بصنم مهر أو فرس له صهيل وحمحمة، بعد أن رشاه رشوة كبيرة، ومنحه وسام الأهرام، فاستجاب له، وصهر له جسداً جديداً، من جسد العجل الذهبي المذاب على نار الهوى. وأقام الفرعون مأدبة كبيرة، دعا إليها عليّة القوم، وبعد أن قص الشريط الحريري، وأزال الستائر عن المعبود الجديد، بان أنَّ الجسد الذهبي أقرب للحمار من شكل الخيل، الأمر الذي أغضب الفرعون الذي كان يحبُّ الخيول، فعاتب كاهن المعبد على هذه الصناعة الرديئة، ولامه على سوئها، فقال السامري الثاني: يا عالي المقام، ورفيع السنام، إنّ العير أجلد من الخيل، وعلى ظهره بنينا الحضارة الفرعونية، صحيح أنَّ الصنم للبغل أقرب، وهو ليس حصاناً ولا حماراً، لكنه يصهل ويحمحم، أكثر من فرس عنترة في الميدان.

فسكت الفرعون الثاني على مضض، مع إنه لم يسمع بعنترة ولا بجورج فلويد، فقد بلغ غايته، وخرج من جلباب أبيه، واطمـأن أنَّ التاريخ سيذكره حامداً شاكراً.

الكلب الذهبي:

وجاء بعده فرعون ثالث، مجدد أيضاً، وكان اسمه أيويو الرابع، وكان يحبُّ الكلاب، برم بمعبود أبيه البغل وصوته الذي فسد مع الزمن، وصار يشبه النهيق، وكان يطمح إلى أنَّ تكون له بصمته على عهده، ويذكره التاريخ، ويهتف مع نور الشريف: لن أعيش في جلباب أبي، فاستفتى الكاهن، حفيد السامري الثالث، الذي تعفو البرديات عن ذكر اسمه، أو أن الزمن طمسه، بأنَّ يستبدل له صنم البغل بصنم للكلب، فأفتاه، فأمره بصياغة صنم للكلب وأنَّ يكون كما في السابق من الذهب الخالص، بعد أن رشاه رشوة كبيرة ومنحه وسام النيل الثلاثي؛ الأزرق والأبيض والبنفسجي، فوعده السامري الثالث خيراً، واشتغل عليه شهراً، حتى أنجز ما وعد.

أقام الفرعون حفلاً فرعونياً، دعا إليه كهنة الصحافة والإعلام، ودقّت ساعة الصفر، وقصَّ الشريط الحريري، وكانت المفاجأة أنَّ الصنم الذهبي كان حائراً الشكل بين الهرة والكلب والوشق، وهو ما يسمى في أيامنا بالهرة الفرعونية، فسكت الفرعون على مضض، فما كان يريده حصل عليه، وهو أن تكون له بصمته الخاصة، ويخلّد ذكره في التاريخ، ويُذكر بين مجددي الدين. وكان السامري الثالث قد صنع للكلب بوقاً تدخل منها الريح فيصدر صوتاً كالنباح، فيطرب القوم أشد الطرب، وترتعب ذئاب العدو.

الجُعل الذهبي:

ثم جاء فرعون مجدد رابع بعد سنوات طويلة، لم نجد اسمه في البرديات وجدران المسلات، وأنكر ما كان يفعله أجداده، وكان الناس على عهده يقدسون الجُعل، أي الخنفساء. ويقول العلماء إنَّ سبب التقديس يعود لأنَّ الجُعلان تدحرج كرة الروث التي تشبه الشمس، ويقول آخرون: إنَّ الروث كان وقودهم، ورغب الفرعون المجدّد أنَّ يعبده الناس بدلاً من عبادة الحيوانات القوية، فليس أقوى من الإنسان، والفرعون أقوى البشر، ومن سلالة الآلهة، فأرسل في طلب الكاهن حفيد السامري الرابع عشر، الذي خشي أنَّ يطلب منه صنماً للنملة، او قد يطلب منه وضع قيثارة في بطن الخنفساء، وربما يطلب منه أن يعزف عليها أغنية يا مسهرني، لكن بحمد الآلهة، أفضى له الفرعون بما يريد، ووعد الكاهن بمال وفير وأوسمة، وبقلادة البعرة الذهبية.

طلب الكاهن مهلة، وعاد إليه بعد أن اعتكف في معبد آمون شهراً، وقال يا عالي المقام، وسيّد الأنام، فكرت ونجّمتُ كثيراً، أكثر من عبد الحليم حافظ عندما وقع في الغرام، بعد أن شربت عشرات الفناجين من القهوة الحلوة والمرّة، وجدت أنَّه لا بد من عبادة حيوان، يجب أن تكون الآلهة من ذوات الأربع أو من سداسيات الأرجل. لا تجوز عبادة البشر، البهائم أرحم.

فقال له الفرعون: قسماً بآمون، ورأس نفرتيتي، وجدي رمسيس الثاني، سأحنّطك حياً إن لم تصنع ما أريد.

فوجد الكاهن فكرة رائعة، من غير سهر أو قهوة، فهو حفيد السامري الأول، الذي قبض قبضة من أثر الرسول، وكانت الفكرة العظيمة هي الجمع بين الإنسان والحيوان في هيئة واحدة، وكان أن صنع له تمثال أبي الهول، السنفكس في اللغة الإغريقية.

الحلقة المسدودة:

نظرية النشوء والارتقاء في تطور الإنسان من خلية واحدة، والتي ما زالت تبحث عن الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد، وتفتش عن خاتم سليمان السحري المفقود في نظرية التطور، تقول: ثم، هيلا هوب (وهي ترجمة البيغ بانغ اللاتينية)؛ ظهر الإنسان!

وهذا ما يحدث عادة في قبعات مهرجي السيرك!

انتهت نظرية الآلهة البهيمية أيضا والطواطم بوثن الإنسان. الوثن ملك أحيانا، رئيس جمهورية أحيانا أخرى، تاجر عبيد، مدير شركة، بطل فيلم المبيد، بطل فيلم الرعب الشهير "الحركة التصحيحية"، بطل فيلم الرعب تسلم "الأيادي".

ثمة فروق كثيرة بين الإله العجل والإله الإنسان، أهمها وأعظمها:

- إنَّ صنم الإنسان مصنوع من الحجارة أو خلائط المعدن المقاومة للتعرية والمناخ، فلم يعد الصنم الإله من الذهب كما في أيام الفراعنة المحترمين المكرمين، مقارنة بأيام الفراعنة المحدثين.

- إن أصنام الألهة القديمة كانت بارعة الصنع والشكل، وليست مثل أصنام الألهة البشرية وإن كانت في الغرب أجمل، فهم أبرع منا في صناعة الآلهة ونجوم السينما والرياضة.

- إن أصنام الآلهة كانت لحيوانات مفيدة مثل العجل والكلب والحمار والجعل، وأن أصنام الآلهة الحديثة أغلبها ضار بالصحة النفسية والحضارية، فهم قتلة ونخاسون، وطغاة ونادرا ما تجد صنما لشاعر، وإن وجد، فإنه غالبا ما كان ينشد الأشعار للطاغية.

- الفارق الكبير بين العجل الحيواني والعجل البشري، هو أنَّ العجل البشري مصمت، من غير خوار، فقد أدرك الإنسان بعلمه وفكره الثاقب ضرورة سد هذا المزمار التي تأتي منه الرياح، فسدّه واستراح. لأن الريح نوعان: ريحٌ شمالية تدخل من مزمار العجل وتجري في قصب جوفه وتصدر خوارا، وريحٌ جنوبية تدخل من الفم وتصدر صوتا أشدُّ من الخوار وأنكى، وهو ما أجلَّ الإنسان المعاصر عجله المعبود عنها! وأبدل الخوار بجوقة من الإعلاميين والمحللين السياسيين، وكهنة الدين.

- الآلهة الجديدة عندها إمساك، فأكرم بها من آلهة وأنعم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"