أسدل الستار على العدوان الظالم على العاصمة طرابلس بعد 427 يوما، ولم تكن النهاية سعيدة للمعتدين، فقد تجرعوا مر الهزيمة، وجروا أذيال خيبة عدوانهم ونقضهم للعهود وهم يحملون فوق أكتافهم جرائر هذا العدوان من قتلى بالآلاف، وجرحى أضعاف ذلك، والدمار في المرافق العامة والأملاك الخاصة يفوق العد، ناهيك عن أطنان العداوة والكراهية بين أبناء البلد الواحد.

تزييف الوعي وتضليل الأفهام

ماكينة دعاية وإعلام العدوان تنسج خيوط خطاب الإلهاء والتعمية عن الهزيمة الكبرى وآثارها الخطيرة بالتركيز على استجاشة عواطف أنصارها من خلال التنديد بخيانة أبناء "الوطن" بالاستعانة بالأتراك "الغزاة"، وفي هذا الخطاب مصالح يسعون لتحقيقها نوجزها في ما يأتي:

1 ـ محاولة امتصاص صدمة الهزيمة الثقيلة والتخفيف من وقعها على جموع المناصرين لحفتر ومشروعه.

2 ـ التعمية على الأخطاء الكارثية التي وقع فيها حفتر بشنه هذه الحرب الظالمة على العاصمة.

3 ـ إلهاء الأنصار عن سلسلة الأكاذيب والتضليل التي روج لها حفتر عبر إطلاق ساعات صفره، والناطق باسم جيشه الذي أوهمهم بأن النصر أقرب إليهم من شراك نعالهم، وجوقة المطبلين الذين في أكثر من مناسبة جعلوا تلك الجموع تصدق أن الجيش دخل طرابلس وأن حكومة الوفاق وقواتها لاذت بالفرار.

4 ـ الإسقاط النفسي ورمي الآخر بالداء الذي يعاني منه المصاب بمرض التعويل على الدعم الخارجي منذ الأيام الأولى لإطلاق مشروعه، فهزيمة ماحقة بعد دعم هائل روسي ـ فرنسي ـ إماراتي ـ مصري ـ سعودي تتطلب إلهاء مكثفا وخطابا إعلاميا إعيائيا يقلب الحقائق.

5 ـ تكريس الشقاق والقطيعة بين الفريقين لتمرير أجندة جديدة ومغامرة لاحقة، فالتركيز على "الغزو التركي" يعمق من العداوة ويكرس الكراهية التي هي وقود المشاريع الانقلابية والتخريبية.

ولأنها سياسة تزييف وتضليل مبرمجة، ولأنه خطاب مفبرك مخادع، لم يكن من العسير فضحه، ولم ينطل إلا على من يلهثون خلف المخدرات لتسكين النيران المندلعة بين أضلعهم بسبب الهزيمة، فهؤلاء يعيشون اليوم حالة إنكار عظيمة.

ازدواجية مفضوحة

حفتر وأنصاره من ضباط وأعيان ونخبويين بمختلف انتماءاتهم وتخصصاتهم وخبراتهم لم يخفوا التعويل على الخارج في دعم مشروعهم، والإقرار الصريح من حفتر بدور الدعم الخارجي موجود في مقاطع عدة على اليوتيوب، وليس آخرها ولا أبينها توقيعه اتفاقا عسكريا مع الروس على بارجة عسكرية روسية، ولقد دخل أنصار حفتر في غبطة عظيمة بعد إعلان الأفريكوم أن 14 طائرة مقاتلة روسية وصلت إلى قاعدة الجفرة في الجنوب، ظنا منهم أنها ستمنع الانكسار وتوقف الانهيار، دون أن يسألوا أنفسهم أليس هذا تدخلا سافرا من قبل دولة لها سوابقها الإجرامية والوحشية!!

لقد سقطت ورقة التوت وعرَّت أنصار النظام السابق الذين انخرطوا في مشروع حفتر المرتمي في أحضان الخارج من ألفه إلى يائه، وهم قطاع واسع، ربما يشكلون الأغلبية من بين المناصرين لعهد القذافي، لينكشف زيف موقفهم المعادي لثورة فبراير بحجة الاستعانة بالناتو.

 

لقد سطت ورقت التوت، وصار البكاء والنواح على الوطن المستباح من الخارج بلا طعم ولا رائحة ولا لون، وظهر للقاصي والداني والقريب والبعيد أنه نفاق مفضوح لا يمكن ستره،

 

سنوات طوال من النواح والعويل على الوطن الذي ضاع بسبب استدعاء الأجنبي ليدنس الأرض ويقتل الإخوة في الوطن، فإذا بالحرب على طرابلس تفضح كذب هؤلاء وهم يرقصون تهليلا للعدوان على طرابلس وأخبار الجنود الروس والعتاد الفرنسي والتايغر الإماراتية والطيران المصري موثقة بالصورة في محاور القتال، دع عنك التقارير الأممية التي فصلت في طبيعة وحجم التدخل الخارجي الكبير لصالح حفتر في مشروعه الانقلابي.

لم يلتفت المتباكون على الوطن المدنس بأحذية الأجنبي إبان ثورة فبراير إلى الآلاف من المقاتلين الأجانب من ملل ونحل عدة من روس وتشاديين وسودانيين، لم يلتفتوا إلى جموع المرتزقة من أمم عدة في عدوان حفتر على طرابلس، وهو مشهد لم تعرفه ثورة فبراير ولم يتورط فيه أنصارها في العام 2011م.

النائحون على تدخل الناتو بقرار دولي من مجلس الأمن وموافقة جامعة الدول العربية وتخويل من سلطة محلية معترف بها دوليا، غضوا اليوم الطرف عن مؤامرة إقليمية دولية الصهاينة لهم فيها يد، ويتورط فيها سفاحون مخربون متآمرون على القضية الفسلطينية وعلى القضايا العادلة في العالم العربي والإسلامي.

فرنسا التي كانت بنظر أنصار القذافي الشيطان الأكبر بتدخلها في ليبيا في العام 2011م دعما لثورة فبراير، صارت الأم الرؤوم بتدخلها في ليبيا دعما لحفتر في العام 2019م!!

لقد سقطت ورقت التوت، وصار البكاء والنواح على الوطن المستباح من الخارج بلا طعم ولا رائحة ولا لون، وظهر للقاصي والداني والقريب والبعيد أنه نفاق مفضوح لا يمكن ستره، حتى إن أحد أبرز إعلاميي الفاتح من سبتمبر وصف السبتمبريين المتحالفين مع حفتر المدعوم من دول "الشر" بأنهم "أحقر صنف من الليبيين".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"