التوتر في العلاقات الإثيوبية المصرية ليس وليد اليوم، ولا ابن اللحظة؛ له جذور ممتدة وخلفيات متشعبة، وتُحَمِّل مصادر تاريخية الحبشة (إثيوبيا حاليا) المسؤولية عن الشدة المستنصرية أو الشدة العظمى، وفيها أُصِيبت مصر بكارثة كبرى ومجاعة قاتلة؛ استمرت سبع سنوات متصلة من 1065 إلى 1071م؛ أيام الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، وراح ضحيتها آلاف السكان بسبب ما حل بهم وزراعاتهم وماشيتهم من جوع وعطش وهلاك، وأرجعوا السبب إلى منع ملك الحبشة وصول مياه النيل لمصر، وذكر الراهب «جور دانوس» (1330م) أن سلاطين المماليك في ذلك الوقت كانوا يدفعون «جزية» للأحباش ضمانا لوصول مياه النيل إلى مصر، واستطاعوا حبس المياه وتعريض مصر لخطر الجفاف والجوع والعطش والموت، وهذا ما أعطى مقولة المؤرخ اليوناني هيرودوت بأن «مصر هبة النيل» قيمتها الكبرى، فمصير مصر وحياتها معلق على استمرار وصول النيل «شريان الحياة»، ومنعه يهددها حتى الآن.


وهذا على الرغم من قدم العلاقات الدينية والسياسية بين البلدين، فالكنيسة المصرية الأرثوذكسية ساعدت على دخول المسيحية إلى بلاد الأحباش، وأدى القس السكندري «فرومونتيوس» دورا كبيرا في ذلك نحو عام 320م، ولما نجح في مهمته عينه البطريرك إثناسيوس أول أسقف للكنيسة الحبشية، وأُلحِقت بكنيسة الإسكندرية في منتصف القرن الرابع الميلادي، وبوصول الإسلام إلى مصر في 20 هـ 643م؛ كانت سمعة النجاشي ملك الحبشة حين أحسن وفادة المهاجرين المسلمين الأوائل؛ عام 615م، قد سبقت دعوة الرسول (ص)، وبعدها بسنوات قليلة عرفت مصر الإسلام سنة 20هـ/643م، ومن الثابت تاريخيا أن النجاشي قَبِل دعوة الرسول (ص) في العام السادس الهجري، وحين توفي في العام التاسع الهجري صلى عليه النبي وأصحابه صلاة الغائب.


وأضحى سكان الحبشة خليطا من المسلمين والمسيحيين على السواء، وتحولت مصر منذ القرن الثالث عشر الميلادي؛ إلى محج لمسيحيي الحبشة ووجهتهم، في الوقت الذي صارت فيه قبلة لمسلمي الزيلع، الذين يأتونها طلبا للعلم والنصرة، وجاء ذلك بعد سقوط بغداد، وانتقال الثقل الإسلامي إلى القاهرة، التي أعلنت عن عودة الخلافة العباسية، برعاية دولة المماليك القوية، ولما حكم المسيحيون الحبشة خضعت لمملكتهم المناطق التي قطنها المسلمون، ومنحت الممالك الحبشية المسيحية نفسها حق التدخل ومراقبة أوضاع المسيحيين المصريين، وكانوا على مذهب اليعاقبة الأرثوذكس نفسه، ودأبت على مطالبة سلاطين المماليك في القاهرة بمعاملة خاصة لهم، وعدم التعرض لكنائسهم، وإلا عرَّضوا المسلمين الأحباش للتضييق والتنكيل، وكثيرا ما نفذ الأحباش وعيدهم في معاملة رعاياهم المسلمين.


ومنذ القرن الرابع عشر الميلادي بدأ التلويح صراحة ببناء سد يمنع وصول مياه النيل إلى مصر، وهذا سجلته إحدى رسائلهم وجاء فيها: «نيل مصر الذي به قوام أمرها وصلاح أحوال ساكنيها مجراه من بلادي، وأنا أسُدّه»، وكثيرا ما استقبلت مثل تلك الرسائل بالتجاهل وعدم الرد، وكان التفسير التاريخي لذلك يعود للإحساس بالتفوق، وفارق القوة الكبير بين دولة المماليك ذات النفوذ الإقليمي والعالمي، الذي كان لا يضاهيه إلا قوة المغول، ووصل الأمر حد توقف التوسع العثماني في المناطق الخاضعة لسلطان المماليك.


وأشارت دراسات إلى استمرار المحاولات الحبشية في التهديد بقطع مياه النيل عن مصر في القرن 15 الميلادي، وترتب على ذلك استمرار الشد والجذب بين مسلمي ومسيحيي الحبشة، وفي عام 1423م نما إلى علم ملك الحبشة بقرار السلطان برُسباي بإغلاق كنيسة القيامة في القدس، فما كان منه إلا زيادة اضطهاده لرعايا مملكته من المسلمين، فأعمل قتلا في الرجال، وسبيا للنساء وتنكيلا بالأطفال، وأَغلَق وهَدَم مساجد عدة، وفي 1430م اصطدمت المملكتان الحبشيتان؛ الإسلامية والمسيحية في معركة انتهت بانتصار المملكة المسيحية، وأسر اثنين من أبناء ملك المسلمين.
وعُرف الملك الحبشي زرء يعقوب بن داود (1434 – 1468م)؛ عُرف بقسوته واضطهاده للمسلمين، بجانب كراهيته المبالغ فيها لمصر؛ بدرجة فاقت كل سابقيه، وعمل على فصل الكنيسة الحبشية عن الكنيسة المصـرية، وربط المسيحيين الأحباش بالفاتيكان؛ لكسب المساعدة الروحية ونيل الحماية من بابا روما، وكسب تأييد دول أوروبا، وأصدر ذلك الملك بالفعل مرسوما بربط كنيسته بالفاتيكان؛ وهو ما سمح للبابا ببناء دير لمسيحيي الحبشة في روما.


ومع تمام التحالف الأوروبي الحبشي، أرسل زرء يعقوب من ناحيته رسالة عام 1443م إلى سلطان مصر آنذاك؛ الظاهر جَقْمَق، قال له فيها: «ليس يخفى عليكم ولا على سلطانكم أن بحر النيل ينجرُّ إليكم من بلادنا، ولنا الاستطاعة أن نمنع الزيادة التي تُروى بها بلادكم عن المشي إليكم؛ لأن لنا بلادا نفتح لها أماكن فوقانية يتصـّرف فيها إلى أماكن أخرى قبل أن تجيء إليكم، ولا يمنعنا عن ذلك إلا تقوى الله تعالى والمشقة على عباد الله، وقد عرضنا على مسامعكم ما ينبغي إعلامه، فاعلموا أنتم ما يلزمكم وبما يُلقي الله في قلوبكم، ولم يبق لكم عذر تبدونه».


وهي من الرسائل التي تكرر فيها التلويح باستخدام ورقة المياه في الضغط على مصر، وغالبا ما كانت عربونا لطلب حماية خارجية للأقليات، وكان من الطبيعي، ومع فارق القوة العسكرية والسياسية بين الدولتين، أن يرفض السلطان الظاهر جقمق ما جاء من اتهامات وتهديد، ورأى من حُسن السياسة عدم الانسياق وراء مشاعر الغضب أو تجاهل أمن وضمان سلامة مسلمي الحبشة المضطهدين، فأرسل كتابا إلى زرء يعقوب، وحمله سفيره يحيى بن أحمد بن شادبك أستادار، ومعها هدية منه.
كانت الرسالة الدبلوماسية المصرية تتضمن «عدم الموافقة على جميع ما سأل، فنصارى الديار المصرية قد كثر تعدّيهم، واستطالتهم في البناء وبناء الكنائس بدون الحصول على تصريح من الدولة، ولم يقبل زرء يعقوب تبريرات السلطان جقمق، وقرر منع السفير يحيى بن أحمد من العودة إلى القاهرة، وأمر بقتل أحد ملوك المسلمين الأحباش المأسورين لديه؛ وهو شهاب الدين أحمد بِدْلاي أمام السفير المملوكي؛ إمعانا في إهانة المماليك، لكن بعد شد وجذب عاد السفير إلى القاهرة بعد احتجاز دام أربع سنوات كاملة.


ظلت العلاقات السياسية متوترة بين البلدين، وفي سنة 1448م قرر السلطان قطع العلاقات الدينية بينها، واستدعى جقمق بطريرك مصر إلى مجلسه بحضرة القضاة الأربعة (الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي)، ويذكر المؤرخ ابن إياس السبب وراء هذا الاستدعاء فيقول: «فأمر بكتابة إشهاد عليه أنه لا يكتب إلى ملك الحبشة بنفسه ولا بوكيله لا ظاهرا ولا باطنا، ولا يولّي أحدا في بلاد الحبشة لا قسيسا ولا أعلى منه ولا أدنى إلا بإذن من السلطان، ووقفه على كتابه، وأنه متى خالف ذلك انتقض عهده، وضُربت عنقه».


وعلى الرغم من ذلك، ظل زرء يستعد لغزو أراضي المماليك الحجازية، ففي عام 1450م وصل إلى مصر قاضي سواكن، وأبلغ السلطان جقمق أن ملك الحبشة أعدّ أسطولا مكونا من مائتي سفينة لغزو سواحل الحجاز، فضلا عما أزمع عليه من قطع النيل وتعويقه بحيث لا تصل مياهه إلى مصر، وتكرَّر هذا الخبر مرة أخرى من العام نفسه؛ لكن أيّا من هذه التهديدات لم يقع.


وهكذا، لم تكن فكرة بناء سد يمنع وصول مياه النيل إلى مصر ضربا من المناكفات المعاصرة، ولها جذورها التاريخية، وهو ما ذكره مؤرخون عن «الشدة المستنصرية» التي سبق وأشرنا إلى وقوعها في العصر الفاطمي، وقضائها على آلاف المصريين، ووقوف ملوك الحبشة وراءها، ومنعهم وصول مياه النيل إلى مصر في ذلك الزمن، وقد تتكرر في زماننا هذا، في ظل الضعف والتهافت الشديد الذي تعاني منه السياسة الرسمية المصرية، وعجزها عن حل مشاكل أبسط كثيرا من مشكلة المياه!!.

 

(القدس العربي اللندنية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"