تتسارع الأحداث في ليبيا بشكل كبير ويمتدّ تأثيرها مشرقا ومغربا بعد التصريحات الأمريكية الأخيرة وبعد الانكسار المفاجئ الذي عرفه مشروع حفتر الانقلابي في الأيام الماضية. لكنّ سقوط قاعدة الوطية الجوية على الحدود التونسية في أيدي حكومة الوفاق الشرعية ومشاهد أرتال المرتزقة والجنود الروس ومليشيات الجنجويد وغيرها من القوات يكشف أننا اليوم فعلا أمام حرب استعمارية جديدة تعمل على نقل الفوضى المشرقية نحو المغرب وتعمل على استنساخ المشهد السوري بأدوات جديدة. 

حرب التسميات 

لا بد من التذكير دائما بأن المصطلحات والتسميات على قدر بالغ من الخطورة، إذ أنها ككل معجم مسؤولة عن تكوين الدلالة التي هي عماد الوعي الذي هو بدوره عماد حركة الإنسان وردود أفعاله. مقولة "الحرب في ليبيا" هي تسمية حديثة تغطي في الحقيقة على التسمية الأصلية التي هي ثورة ليبيا ونقصد بها طبعا ثورة فبراير 2011 التي أسقطت النظام الاستبدادي الذي يقوده القذافي. "الحرب في ليبيا" أو "الفوضى في ليبيا" أو "الحرب الأهلية في ليبيا" أو "الصراع المسلح في ليبيا"... إنما هي تسميات إعلامية جاءت لتوصيف الحالة التي أعقبت انتصار ثورة فبراير على القذافي ومليشياته ومرتزقته. صحيح أنّ الثورة الليبية كانت ثورة مسلحة في أطوارها الأخيرة لأن القذافي فرض عليها أن تكون كذلك لكنها كانت حرب تحرير حقيقية من مستبد استعمل السلاح لقتل شعبه. 

 

ما يحدث في ليبيا مشروع انقلابي استخدم العملية السياسية فلم ينجح فيها نجاحا كاملا ثم انتقل إلى العمليات العسكرية التي لم ينجح فيها بشكل كامل هي الأخرى وهاهو يعيد هندسة الفوضى واتباع سياسة الأرض المحروقة كحال كل منهزم.

 

ما يوصف اليوم بأنه حرب أهلية في ليبيا إنما هو في الحقيقة فعلُ الثورة المضادة التي تقودها دول عربية وأخرى دولية من أجل منع شعب ليبيا من أن ينتصر على الاستبداد ويصنع لنفسه تجربة ديمقراطية مدنية. قادت الإمارات والسعودية منذ بداية الربيع موجات الثورة المضادة وأمدتها بالمال والسلاح والمرتزقة والمنابر الإعلامية فنجحت في مصر واليمن وسوريا لكنها لم تنجح نجاحا كاملا في ليبيا وتونس رغم انها لا تزال تحاول. 

إنّ الحرب والفوضى والمليشيات والمرتزقة والاغتيالات والجماعات الإرهابية من انتاج الثورة المضادة وهي أدوات تدمير المسارات السلمية التي اختارتها الشعوب العربية للتخلص من الاستبداد. ما كان يُمكن لقوى الثورات المضادة أن تُشيطن ربيع الشعوب وثوراته دون استخدام أدوات الفوضى وآليات التخريب التي يستمتع بها الرأي العام الدولي ويطرب لسماع اسمها مثل "الجماعات الإرهابية" و"الجماعات المتطرفة" و"الإرهاب الإسلامي" وغيرها من التسميات. 

ما يحدث في ليبيا مشروع انقلابي استخدم العملية السياسية فلم ينجح فيها نجاحا كاملا ثم انتقل إلى العمليات العسكرية التي لم ينجح فيها بشكل كامل هي الأخرى وهاهو يعيد هندسة الفوضى واتباع سياسة الأرض المحروقة كحال كل منهزم. 

الفاعل الدولي 

القول بأن الحرب في ليبيا هي حرب استعمارية جديدة بالوكالات لا بوكالة واحدة ليس قولا مبالغا فيه. فقد كان لسقوط قاعدة الوطية الجوية في الغرب الليبي دورا حاسما في تغيّر النظرة إلى طبيعة الصراع هناك وأثره على المنطقة والإقليم برمّته. خرجت من القاعدة قوافل بالمئات من المرتزقة الروس والجنجويد والمرتزقة التشاديين وجحافل المداخلة الإرهابية وغيرها من الخبراء والعسكريين الذين كانوا يعملون لصالح الانقلابي حفتر. 

كما غادرت مع هذه القوات منظومات صواريخ روسية متطورة ومعدّات خاصة للتشويش ومنصات تكنولوجية أخرى عديدة وهو الأمر الذي يُرجّح كفّة القول بأن الحرب هناك هي حرب استعمارية جديدة. فلا يمكن أن تملك قوات المرتزقة الروسية منصات صواريخ متطورة إذا لم تكن مجموعات فاغنر في الحقيقة غطاء للجيش الروسي الذي يقود حربا استعمارية جديدة كتلك التي يخوضها في سوريا أو تلك التي خاضها في أفغانستان من قبل. 

كما أن الاهتمام الأوروبي وخاصة الفرنسي بالملف الليبي ثم دخول الولايات المتحدة الأمريكية أخيرا على الخط كلها عناصر تؤكد أنّ الصراع في ليبيا هو صراع بين الكبار على قطعة الكعك الجديدة جنوب المتوسط. فليست القوى العربية المتواجدة هناك خاصة من الإماراتيين والمصريين إلا بيادق صغيرة في خدمة المشروع الكبير وأدوات محلية لخطة خارجية. 

 

لم تشأ أمريكا التصادم مع الحليف التركي جنوب المتوسط وهو عضو في حلف شمال الأطلسي لكنّ الانكسار المفاجئ لحفتر وإمكانية خسارته لمواقع أخرى هامة قد تدفع به إلى الهرب خارج البلاد هو الذي سرّع بحرب التصريحات الأخيرة التي تدعم الحلّ السياسي.

 

إن تصاعد وتيرة الاهتمام الدولي بالمسار السياسي في ليبيا بعد دخول الأتراك هو أمر مثير للاهتمام خاصة أننا واكبنا تغافل المجتمع الدولي عن الملف الليبي وعن جرائم حفتر البشعة بما فيها قصفه للمدنيين طوال سنوات. الذي تغيّر اليوم هو الغطاء الجوي الذي وفّره الأتراك للثوار على الأرض وهو الأمر الذي مكّنهم من التقدم بسرعة كبيرة واكتساح مناطق الغرب الليبي كلها في فترة وجيزة. التدخل التركي جاء بعد اتفاقية عسكرية وأمنية علنية مع حكومة الوفاق الشرعية واتفاقية أخرى تشمل ترسيم الحدود البحرية بين البلدين المتقابلين. 

بناء على ما تقدّم فإنّ الصراع الدولي الذي كان سرّيا بين الفواعل المختلفة صار علنيا بعد تقدّم الفاعل التركي على الأرض. فقد دعمت روسيا الانقلابي حفتر وهو يحمل الجنسية الأمريكية ويمثل الأطماع الأمريكية العميقة في ليبيا مما يسمح بالقول بأن هذا الدعم ليس في الحقيقة إلا تبادل أدوار بين الولايات المتحدة وروسيا في المتوسط مقابل تنازلات في مناطق نزاع أخرى مثل سوريا ومنطقة المشرق بشكل عام. 

لم تشأ أمريكا التصادم مع الحليف التركي جنوب المتوسط وهو عضو في حلف شمال الأطلسي لكنّ الانكسار المفاجئ لحفتر وإمكانية خسارته لمواقع أخرى هامة قد تدفع به إلى الهرب خارج البلاد هو الذي سرّع بحرب التصريحات الأخيرة التي تدعم الحلّ السياسي. وهو الأمر الذي يفسر كذلك إعادة تموقع الجيش الروسي والمرتزقة وانسحابهم من الغرب الليبي نحو قاعدة الجفرة ونحو المناطق الشرقية في اتفاق غير علني بين القوى المتصارعة هناك. 

لا شك اليوم مع الأخبار الواردة من تونس وتراجع مخططات الفوضى هناك بعد سقوط قاعدة الوطية في أنّ مسارات الأحداث في تونس وليبيا لا تنفصل عن بعضها البعض. وهو الأمر الذي يجب أن يدفع بدول المغرب العربي إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة وحزما في مواجهة مشاريع الفوضى في ليبيا الواقعة على الحدود مباشرة بين تونس والجزائر. إنّ اتساع رقعة الحرب لا سمح الله هناك بسبب مشروع الانقلاب الإماراتي الدولي  قد يجعل من ليبيا سوريا جديدة إذا لم تتدخل الدول المغاربية للحفاظ على أمنها الذي يبدأ اليوم من العاصمة طرابلس باعتبارها مدينة مغاربية قبل كل شيء. 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"