تشخيص الواقع جيدا سيمكنّنا من حل الأزمات التي تتكرر كثيرا في المنظومة الطبية، والأهم تمنع كل المتربصين والإرهابيين من الصيد في الماء العكر والوقيعة بين الحكومة والأطباء.

بدءا من اليوم سأحاول جاهدا تسليط الضوء على ما يحدث داخل هذه المنظومة، في محاولة لإيجاد حلول وأرضية مشتركة، بين الحكومة والأطباء، تمنع محاولات البعض النفخ في المشكلة.

السؤال الأول: هل مصر تحتاج لزيادة عدد الأطباء العاملين، أم أن العدد زيادة عن حاجة المجتمع، أم أن هناك خللا في توزيعهم، أم يتهربون من العمل في المستشفيات الحكومية؟!

طبقا لدراسات وتقديرات مختلفة فإن عدد الأطباء المسجلين والحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة، مستثنى منهم الأطباء على المعاش والمتوفون، يصل إلى 212853 ألف طبيب حتى نهاية عام 2018.

وبهذا العدد فهناك 213 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، وهو ما يقترب من المعدلات العالمية، أي 23 طبيبا لكل عشرة آلاف مواطن.

للوهلة الأولى هذا كلام طيب، ومن يقرأه سيتساءل: إذا ما هي المشكلة إذا كان عدد الأطباء كافيا، ومتوافقا مع المعدلات العالمية؟!

المشكلة أن عدد الأطباء البشريين، أي العاملين في مستشفيات وزارة الصحة، وجميع الهيئات التابعة لها، وفي المستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة، والتابعة لجامعة الأزهر، حوالي 82 ألف طبيب من الـ2128 ألف طبيب، أي 38 فقط من القوة الأساسية للأطباء في مصر، طبقا لدراسة أجراها المكتب الفني لوزارة الصحة بالتعاون مع المجلس الأعلى للجامعات، والمجلس الأعلى للمستشفيات الحكومية، ونُشرت في مايو من العام الماضي. وطبقا لهذا الكلام فإن المعدل الحقيقي في مصر هو طبيب لكل 1162، و86 طبيب لكل عشرة آلاف مواطن، بدلا من 23 طبيبا لكل عشرة آلاف، كما هو المعدل عالميا.


وبهذا المعنى فإن 62 من الأطباء البشريين إما أنهم يعملون خارج مصر، أو استقالوا من العمل الحكومي، أو حصلوا على إجازة من دون راتب.


طبقا للبيانات فإن عدد كليات الطب في مصر هو 30 كلية، منها 20 حكومية و6 كليات تابعة لجامعة الأزهر وثلاث كليات تابعة للجامعات الخاصة، إضافة إلى كلية الطب التابعة للقوات المسلحة، وهذه الكليات الـ30 تنتشر في 18 محافظة مصرية. تستحوذ القاهرة على 5 كليات والجيزة أربع وأسيوط ثلاث ودمياط كليتين، وكلية واحدة في كل من السويس وبورسعيد وأسوان والمنوفية سوهاج وقنا وكفر الشيخ وبني سويف والشرقية والغربية والفيوم والدقهلية والإسكندرية.


البيانات تقول أيضا إن عدد الوحدات ذات الأسرّة، التي تتبع القطاع الحكومي الصحي، يبلغ 676 بإجمالي 96111 سريرا بجانب 4381 وحدة رعاية أولية بالريف و363 مركز صحة أسرة في المناطق الحضرية.


وطبقا لنفس البيانات فإن هناك عجزا مضاعفا في عدد الأطباء عن المعدلات العالمية في 25 محافظة، والأقرب لهذه المعدلات هي محافظتا جنوب سيناء والقاهرة، في حين أن محافظات مثل كفر الشيخ وأسيوط وبورسعيد فإن النسبة تتراوح بين 25 ــ 50 من المعدلات العالمية، أما الأقل من 25 فهي الوادي الجديد وبني سويف وقنا والفيوم، وتقل معدلات العجز بشدة في المحافظات النائية أثناء فترات تكليف الأطباء، بسبب الحوافز المادية والعلمية.


الدراسات المختلفة توصي بدراسة وافية لسوق العمل، للأطباء البشريين وتقديم البيانات التي تساعد على رسم الخطط والسياسات المستقبلية للتعليم الطبي، بما يتفق مع الحاجة الفعلية لسوق العمل، ومن ثم طرح الحلول اللازمة، بما يتيح تحقيق احتياج مصر من الأطباء البشريين دون زيادة وعجز.


عدد ما تقوم كليات الطب بتخريجهم سنويا حوالي عشرة آلاف طبيب، والحل المبدئي هو زيادة عدد المقبولين حتى يزيد عدد الخريجين ليصل إلى 12 ألف خريج، شرط ألا يتعارض ذلك مع المستوى الجيد من التعليم والتدريب والتأهيل.


هناك إجماع حتى قبل ظهور مشكلة أطباء التكليف الحاليين على ضرورة وجود خطة قومية لاسترجاع الأطباء للعمل بالقطاع الحكومي، ورفع مستوى التدريب للأطباء، وتأمين بيئة العمل المناسبة، ورفع المستوى المادي والاجتماعي لهم، بحيث يتم إعادة الستين ألف طبيب، للقطاع الحكومي أو الجزء الأكبر منهم.


قبل شهور قال رئيس الوزراء د. مصطفى مدبولي إن الحكومة تعمل على توافر الأطباء في المستشفيات الحكومية لتقديم خدمة طبية لائقة، وإن الدولة أنفقت الكثير من بناء مستشفيات جديدة، وإنها كلفت وزارة التعليم العالي بزيادة أعداد كليات الطب بداية من العام الجامعي المقبل.


السؤال: هل ما سبق هو كل الصورة الكاملة، أم أن هناك وجهات نظر أخرى؟!


نواصل لاحقا إن شاء الله.

(الشروق المصرية)

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"