أكرم فيسبوك سكانه بمكرمة جديدة، أضيفت إلى أسرة الإعجابات تحت المنشور تعويضا عن فقدان الناس بعض متع الحياة الطبيعية. وكانت قد بدأت بزرّ أزرّق، وهو القبضة التي ترتفع إبهامها منتصبة على قاعدة أربعة أصابع منضوية تحت لوائها، ثم ما لبث الزرّ الأزرّق أن أينع وأنبت سنبلة فيها ستة أزرّار أخرى هي: أحببته، واو: وهو زرّ التعجب، وهاها: وهو زرّ الإضحاك، وزرّ أحزنني، وزرّ أغضبني، وهي أزرّار تعقد في عرى مشاعر القراء السريعة التي يحتمل أن يحدثها المنشور. وقد أضاف إليها الملك مارك مؤخراً بمرسوم فيسبوكي وجهاً يضم قلباً، لكن القلب غير ظاهر لأنه غائب في حضن الوجه، والقلب الأحمر أبلغ منه وأكثر حمرة، وصارت ترجمته العربية: أدعمه، ووجدت أن ترجمة الوجه بأحبه كثيراً أفضل من أدعمه، المشاركة هي الرتبة العليا من الدعم.

أحياناً يحتار المرء في إرسال تحية سريعة إلى صديق بتلويحة، ونحن في عصر اللغة الهيروغليفية الثانية، إذ تظهر للنازح في فيسبوك عشرات التلويحات من بنك الصور وفئاتها، بألوان مختلفة؛ تلويحات بيضاء وسمراء وبنية ووردية، ولا حول وولا قوة إلا بالله.

تُنسبُ قصة المثل الذي سنرويه مختصراً إلى جحا عادة، هناك مثل شعبي يقول في القصة: "انسبها إلى جحا تنجحا"، فجحا اسم يجلب الضحكة قبل ذكر القصة، فهو أحد سلاطين الإضحاك، وتقول قصة المثل التي سنوجزها ثم نكرُّ عليها بدغدغات النقد وأصابع الفحص، عسى أن نبلغ منها مأرباً، قصة المثل هي:

أنَّ أباً أراد أن يعلم ابنه معنى الحزم وتوطين النفس، وألا يكون الإنسان إمّعة، وأن يدرّبه على الثبات على الرأي، فأمر ابنه بالخروج ومعهما حمار، ومشيا بجانبه، فصارت الناس تعيب عليهما المشي، وقد تركا الحمار الذي سخّره الله للناس ليركبوه وزينةً، ثم أنهما ركباه تخلصاً من السخرية، فجعل الناس يعيبون عليهما كليهما ركوب الحمار المسكين، ولو كان في البلد جمعيات رفق بالحيوان، لكان لهما معهما شأن آخر. فنزل الأب وبقي الابن وحده، فعاب الناس على الابن العاق ركوبه، وترْكِه أباه الشيخ يمشي، فترجل الابن لأبيه، فعاب الناس على الأب الركوب وابنه الصغير يمشي، فحملا الحمار، فضحك الناس من جهلهما وحمقهما، فقال الأب: رضا الناس غاية لا تدرك.

كان ذلك في العصر الشفاهي، لكننا الآن في عصر التواصل الاجتماعي، والأميّة الثانية، حيث يمكن للإنسان أن يعبّر بالصور. فقد وجدنا هذه الآراء التي لم تكن من قبل، بعد حذف عشرات التعليقات التي ليس بينها وبين المنشور صلة أو علاقة، فغالباً ما تلحق بالصورة أو القصة تعليقات لا شأن لها بها، شأنها شأن الأسماك التي تلحق بالحيتان الكبيرة تحفّ به وتخدمه وتعيش في ظله وتأكل من فضلاته، وتعيش على الكائنات العالقة على جسمه. وقد نشرتُ القصة على مجموعة صغيرة في واتساب، فظهرت هذه التعليقات الطريفة التي حذفنا بعضها بسبب "الفاولات" وغياب السببية:

- إنها قصة قديمة..

- إننا متخلّفون وما زلنا نستخدم الحمير في عصر الفضاء والذرة وقطار الطلقة.

- ذكرى أيام الزمن الجميل وسانشو ودون كيشوت والرومانسية والفروسية.

- مؤكد أنهما سيذبحان الحمار لبيع لحمه، اللحمة بالنار.

- رضى تكتب بالألف المقصورة.

- حمار بالزريبة أحسن من عشرة قطارات لا تأتي.

- سئل جحا عن فقه السير في الجنازة فقال: امش أمامها أو خلفها، المهم ألا يكون الحمار في القصر الجمهوري.

- البلد لم تبق فيها حمير بعد خبر تصديرها للصين، أو ذبحها في العيد.

تقول قصة مماثلة: إن ضفدعيتن متسابقين سقطتا في بئر عميقة، فاجتمع الجمهور حولهما ساخراً من محاولاتهما اليائسة في القفز، وتعالى الصياح، فيئست إحدى الضفدعتين وسكنت، وظلت الأخرى تحاول، ثم ماتت الأولى من اليأس والتعب، وبقيت الثانية تحاول، حتى نجحت في القفز إلى الحافة ومنها إلى الخارج، ثم علموا أنها صماء، وبذلك نجت.

نحن أمة لم نسعد يوماً بكثرة الرأي كما نحن الآن، لكنه رأي لا ينفع، لكثرة الهرج، وقلة الفعل.

استطاع سوري نازح، يعمل ليل نهار في الإغاثة في المشافي البريطانية، ليس له حقوق المواطن، وهو مخرج سابق، أن يغير قانوناً في بريطانيا برسالة فيديو، ولم تستطع شعوب عربية عملت آلاف الوسوم فما استطاعوا نقبا في هذا الجدار، فحتى المادة الثامنة في دستور الأسد التي غيّرتْ بعد دماء، ليس لها معنى لأن الدستور كانت الأرضة قد أكلته.

دمر الأسد سوريا بالأسلحة، ويدمر السيسي مصر بالتحديث والجسور، ولا نستطيع أن نغير في الأمر شيئاً، مع أن لبعضا حسابات متعددة في وسائل تواصل كثيرة: فيسبوك وتوتير وإنستغرام، لكنها بلا قيمة. فالحمار في القصة السابقة كان حماراً، والضفدع ضفدعاً، ولم يكن ذبابا الكترونيا، والأشباح تخاف من الظهور، وكان الرأي رأياً، لأن حضور الإنسان بعينه وشخصه يحمّله وزرّ رأيه، فيمسك لسانه حتى لو كان سفيهاً، أما وهو نصف ظاهر أو مقنّع، فيمنحه حرية لا يحظى بها سوى المجانين.

تضايق الصديق الروائي جان دوست من تهاني العيد وبطاقاته، وهي ملونة بأجمل الرسومات، وفيها بالونات ومساجد وأهلّة، ونجوم كثيرة، بسبب رخصها الشديد، ولعله معذور، فهي مثل النقود المزيفة، وعن بعد، لا تروي ظمأً، ولا تشبع جوعاً.

وصف المسيري عصر النهضة الأوربية الصناعية بعصر الثنائيات الصلبة، التي تلاها عصر العقائد السائلة، وضياع الثنائيات والخير والشر، ولعلنا ندخل عصراً جديداً هو عصر العقائد الغازية، والعصر الأثيري والمشاعر الطيّارة. وكانت هناك حاسة سادسة، وقد فقدناها، وفقدنا حاسة اللمس، وجاء كورونا لتصفيتها وتحييدها، حتى اضطر المشتاقون إلى حاسة اللمس إلى اختراع ثياب بلاستيكية للعناق، وقد عوّض فقدان حاسة اللمس باللمس على أزرّار، وصور كثيرة ملونة، ويظنُّ أننا سنتحول جميعاً إما إلى ذباب الكتروني وإما إلى نحل طنّان، لا ينتج حتى الشمع.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "عربي21"